يعيد مؤلف الكتاب، في دعوة صريحة للعودة إلى أسس وفلسفة الدين الخالد، على لسان حكيمه (الرائي المستنير)، صياغة المفاهيم الدينية الأساسية، حيث يعتبر أنَّ جوهر الدين هو وعي الإنسان لله بشكل حقيقي، أي للوعي الديني الراسخ في داخل نفس كل انسان. وبذلك ينقل دريد عودة، الدين من مجرَّد مؤسَّسة إكليركية أو سياسية أو اجتماعية، إلى حياة توحيدية جامعة. وانطلاقًا من هذا المفهوم الإنساني الشامل للدين، يعرِّف المؤلف الفضيلة أنَّها معرفة وحدة الوجود المطلقة أي التوحيد المحض بين الله والكون والإنسان.

أمَّا غاية الحياة فهي صيرورة دائمة حتى التحقّق الإلهي الأسمى للإنسان، أي تفتُّح الروح الإلهية فيه، وتتطابق غاية الحياة بالكامل مع الغاية الإلهية من الخلق.

وفي هذا السياق، يتحدَّث عودة عن ثلاث مراتب للموت، وهي مقامات للروح في معراج تحقّقها الأسمى: الموت الجسدي وهو يدخل في باب الحتمية أو القدرية، والموت الإرادي الذي يسمِّيه الكاتب (فن الموت) وهو يتمثّل بإماتة النفس على طريقة النسَّاك المنقطعين عن العالم، وفي هذا يكون الخلاص الفردي فقط، وإماتة الذات أي الأنا على طريقة الحكماء وأصحاب الرسالات الكبرى الملتزمين بالعالم ورفعة الحياة غير منقطعين عنهما.

ويحدِّد المؤلف، بعدها، ماهية الحرية بأنَّها جوهر الروح، والحياة فعل أرواح حرَّة وكل ماعدا ذلك موت مقنَّع بلبوس الحياة، مؤكِّداً بذلك مقولة انَّ لا إكراه في الدين، ومعتبراً في سياق آخر أنَّ علم الفطرة هو أعلى درجات العلم، لأنَّه علمٌ في خدمة الحياة وهذه هي الحكمة، كما يقول.

يستمر المؤلف، في إعادة تحديد المفاهيم الدينية فيتناول مسألة الخير والشر من زاوية الحياة، مبينا أنَّ الخير هو كل ما يخدم الحياة ويمجِّدها ويرتقي بها، في حين أنَّ الشر هو كل ما يحطُّ من شأنها ويحقِّرها وينفيها باسم الحياة الآخرة، ومحدِّداً الكفر في هذا السياق أنه ليس نفي وجود الله بالمطلق فقط، بل نفي وجوده في العالم أيضاً. كما يعطي مفهوماً روحياً عميقاً لأسماء الله الحسنى. وأمَّا بيت الله، فبالنسبة للمؤلِّف هو الإنسان الكامل. وكذا يستفيض عودة في شروحه الدينية فيتناول مسألتي الوحي والدين الكامل.

ويعطي الكاتب مفهوماً محددا للآخرة، اذ يراها، وصول العالم إلى غاية الخلق. ويبين المؤلف ان الروح متعالية حالّة في آن واحد، وانه بدأ العلم يكتشف تلك الطاقة الكونية اللطيفة التي هي هنا وهناك، في آن واحد. ويرى عودة أنَّ القضاء والقدر، قضاء الروح الذي هو الحرية، وقدرها هو تحقّقها الكامل.

ويشدد الكاتب في ابحاث كتابه، على أنَّ إعادة النظر بالمفاهيم الدينية السائدة وصياغتها بطريقة شاملة من جديد، على النحو الذي قام به، ليستا من باب الاجتهاد التأويلي، بقدر ما هي عودة بهذه المفاهيم إلى حقيقتها الأصيلة، أي إلى الدين الفطري الخالد. ومن هنا يحيلنا بالدلالة الى ان كتابه (الرائي المستنير)، يمثل نظرة المؤلِّف الروحية في الحياة والكون، وقوام هذه النظرة وحدة الوجود المطلقة والتوحيد المحض. كما يتضمَّن نظرته الوجودية الروحية وفلسفة الحياة الكلِّية التي ينادي بها، والتي تقول بوجوب رسوخ العلم بالله جل جلاله وبركائز الدين، في باطن الانسان.

ويشير المؤلِّف دريد عودة إلى أنَّ الحياة هي صيرورة كمال الأشياء عبر الولادات والميتات. وهذا هو مسار الروح في العالم، مسار الأشياء لكمالها. أما الموت فهو فقط الأكفان التي تتساقط عنا لنصير خلقاً كاملاً، كالبذرة التي تتساقط عن لبابها القشور لتصير ما يجب أن تكون، أي شجرة كاملة.

 

 

مدرسة حكمة

 

يجسد الكتاب، في ماهية ابحاثه ومضمونه، دعوة رؤيوية دينامية روحية وفلسفية واسعة النطاق لتجديد الفكر الديني وتحريره من الجمود، حيث يشتمل على إعادة صياغة شاملة وعميقة لكافة المفاهيم الدينية، بغية التأسيس لوعي ديني، إنساني في جوهره، وتوحيدي في مضمونه وأبعاده. فعلى طريقة المدارس الهرمسية القديمة وطريقة الحوارات الأفلاطونية، يسوق مؤلِّف الكتاب دعوته وابحاثه ورؤاه، في حوار بين حكيم روحاني: الرائي المستنير، وتلميذه، بغرض تلقين الاخير العلم الديني أو الإلهي.

 

المؤلف في سطور

 

دريد عودة، كاتب وباحث لبناني. وهو شاعر ومفكّر يعنى بعلوم الروح وفلسفة الأديان المقارنة. صدر له: عشتار.. حب البشر وأقدار الآلهة، أدونيس، في محراب الحب والقيامة.

 

الكتاب: الرائي المستنير

تأليف: دريد عودة

الناشر: دار المختار

بيروت 2010

الصفحات: 172 صفحة

القطع: المتوسط