يحاول الكتاب إعادة الاعتبار لأبي البركات البغدادي، معتبراً أن أحد أسباب إهماله يتجسد في عدم نمطيته الفكرية، حيث لا يمكن تصنيفه تحت مظلة أي من الفلسفات اليونانية القديمة المعروفة، ذلك أن الاستشراق اعتاد النظر إلى الأبنية النظرية العربية للعالم، بوصفها تنتمي أصلاً للتراث اليوناني مع بعض التعديلات. فيما كان البغدادي مختلفاً، من جهة أنه ذهب إلى بناء العالم على مسائل الدين التي صاغها علم الكلام، وراح يمارس التفكير داخل مقتضيات الهموم الفكرية للثقافة العربية الإسلامية، من دون الاعتماد على مرجعية ناجزة، وبالتالي غاب البغدادي عن مركز اهتمام الدراسات الإسلامية بسبب عدم كونه مفكراً نمطياً يمكن إدراجه أو تصنيفه ضمن خط فلسفي ما أو انتماء واضح لواحدة من تيارات الفكر الفلسفي القديم.
وغاب كذلك عن حقل الدراسات الاستشراقية، التي سيطر عليها هاجس تتبع أصول الأفكار، وربط الإبداعات النظرية في الإسلام بسوابقها اليونانية أو الرومانية، بالإضافة إلى أن الدراسات الاستشراقية غلب عليها الرأي الذي شاع في عصري النهضة والتنوير الأوروبيين من أن الفلسفة هي أصلاً يونانية، وأن كل النماذج التي جاءت فيما بعد، هي انشقاقات أو تعديلات أو شروحات على هذا الأصل.
ويعتبر اجهر أن الدراسات الاستشراقية صبت كل اهتمامها، حتى ستينيات القرن العشرين المنصرم، على تأويل معين لتاريخ الفلسفة في الإسلام، يتخذ من ابن سينا والغزالي وابن رشد أبطاله الكبار، الذين تدور حولهم كل قضايا الفلسفة العربية الإسلامية.
ويظهر تاريخ الفلسفة في الإسلام، وفق التصور الاستشراقي، على أنه تاريخ صراع بين التفكير المفهومي المستقل وبين القوى الدينية المحافظة، وأنه كان يصعب على الفلسفة، بوصفها في الأصل تراثا يونانيا، أن تحيا في بيئة دينية كالبيئة الإسلامية المحافظة، لذلك قررت الدراسات الاستشراقية على أن ابن رشد مثل تلك اللحظة الأخيرة من الفلسفة التي حاولت الدفاع عن نفسها ضد التفكير الرجعي، الذي مثله الغزالي، وماتت مع موت ابن رشد. ويرى مؤلف الكتاب، أن المستشرق هنري كوربان غيّر اتجاه الدراسات الاستشراقية بأطروحته التي تنص على أن الفلسفة في الإسلام لم تمت مع موت ابن رشد، بل إن من مات بموته هو الميتافيزيقا اليونانية التي لا تتفق أصلاً مع روح الإسلام، وبالتالي أعاد كوربان صياغة تاريخ الفكر في الإسلام الذي كان يضع ابن سينا مقابل ابن رشد، والنزعة الهرمسية مقابل المشائية، والتصوف مقابل العقلانية. ووجد كوربان في الجوانب الرمزية والرؤية لابن سينا والسهروردي وما تلاهما، فكراً مقابلاً وربما خلاصياً.
والمؤسف هو أن الباحثين والدارسين العرب تبنوا موقف المستشرقين دون أي تفحص أو نقد، فوقف الحداثيون إلى جانب ابن سينا الأرسطي وايضا ابن رشد العقلاني ضد الغزالي.
ويؤكد اجهر انه لا يعتبر البغدادي بذاته مرجعية، بل مجرد درس مختلف في الممارسة الفكرية، اعتمد على إنشاءات المتكلمين، وحظي بنوع من الاستمرار على يد مفكرين عقديين آخرين بعده، الأمر الذي يجعل من لحظة البغدادي وامتداداتها اللاحقة لحظة مهمة يجب التوقف عندها ودراسة إشكالياتها، كونها تقدم درساً في ضرورة التعقل النظري لقضايا العقيدة وأسئلتها، بالاستناد إلى عقل نقدي قادر على بناء مفاهيمه الخاصة، والمعبرة عن بيئة ثقافية معينة.
ويظهر البغدادي في تقصي أجهر، مفكراً غير نمطي، ونتاجاً للأزمة التي أوجدها الغزالي بعد نقده للتفكير النظري المجرد واعتباره متهافتاً، وبالتحديد نقده للصيغة الفيضية للفلسفة. اذ حاول البغدادي تقديم أجوبته عن هذه الأزمة بالافتراق عن أي نسق فكري سابق، ومن خلال إدراك الهوية الثقافية العربية بصيغتها الإسلامية، التي صاغ أسئلتها الكبرى علم الكلام الملتصق بالعقيدة، والتي لا يمكن تخطيها، وتشكل محددات ثقافية، تتطلب النظر فيها، والعمل عليها، وتجاوز طرقها المتأخرة.
ولذلك ميّز ما بين الأسئلة التي أثارها الدين وركز عليها وصاغها علم الكلام، وبين الطرق التي اتبعها المتكلمون للإجابة عن تلك الأسئلة، وجهد في البحث عن إجابات، لكن بالفلسفة وليس بالطرق الكلامية، انطلاقاً من عدم إهمال الفلسفة، بصفتها خطاباً أو قولاً يصنع مفاهيمه الخاصة، وقادرة على مناقشة أسئلة الدين وفق مرجعية برهانية مختلفة. وإن كان البغدادي ابن بيئته، شكل افتراقاً عن التيارات الأخرى السائدة في عصره، فإنه لم يكن مجرد ناقد للفلسفة الفيضية ولأرسطو فقط، ولكنه كان فيلسوفاً يسعى إلى تأسيس رؤية عن العالم ليست سينوية ولا أرسطية، لذلك يمكن اعتبار فلسفته حالة من حالات بناء نسق مختلف عن التراث الأرسطي وامتداداته الإسلامية، حيث لا تقوم بنية العالم لديه على ثنائية الهيولي والصورة، بل على مفهوم الإرادة التي يصفها بالقوة العارفة والقاصدة، وبوصفها إرادة كلية فإنها تصدر عن ذات الله دون سبب خارجي إلا الذات ذاتها، وهي تخترق العالم وتتغلغل فيه.
ويخلص المؤلف في ابحاث كتابه، الى ان فلسفة البغدادي، واقعية إلى حد كبير في فهم العالم، وتجهد قدر الإمكان للتخلص من التقسيمات الكونية والمعرفية المعقدة التي عرفتها الفلسفة القديمة. وهي فلسفة تعيد مركزة المفاهيم وترتيبها بطريقة تعقد فيها قرابة عميقة مع علم الكلام على حساب ثوابت الفلسفة اليونانية.
مبدع منسي
لا شك في أن العديد من المفكرين والفلاسفة العرب القدماء، جرى إهمالهم لاعتبارات شتى، ولم يتم التطرق إلى أفكارهم وأطروحاتهم ومؤلفاتهم بشكل كاف. ومن بين هؤلاء أبو البركات البغدادي (470 560 للهجرة)، وهو مبدع طوته صفحات النسيان والاهمال، رغم اهميته ودوره، حيث كان تطرق الى مناهج الاصول الفلسفية ورؤى التقاء وانفتاح الحضارات بوجهة ايجابية تفاعلية. واسمه الكامل هبة الله بن ملكا البغدادي البلدي. وعاش في بغداد خلال الفترة السلجوقية، فترة المؤلفات الكبرى، وازدهار علم الكلام الأشعري، ففي شبابه كتب الغزالي (تهافت الفلاسفة)، وكتب معاصره الشهرستاني (مصارع الفلاسفة).
المؤلف في سطور
د. عبد الحكيم أجهر، أستاذ العقيدة المساعد في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا بالامارات. أصدر العديد من المؤلفات، منها: ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الإسلام، التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي - دراسة في الأسس الأنطولوجية لعلم الكلام الإسلامي.
الكتاب: أبو البركات
البغدادي
بناء العالم
على مسائل الدين
ودرس في الهوية
تأليف: د. عبد الحكيم
أجهر
الناشر: المركز الثقافي
العربي
بيروت 2011
الصفحات: 198 صفحة
القطع: الكبير
