يستهل الكاتب، مفاصل دراسته حول مدينة القدس وتاريخها وأهميتها، باستعراض المراحل التي مرت بها، مشيرا الى انه تقلّب على المدينة، وسائر فلسطين، الولاة المختلفون الذين يأتون من الدول أو الإدارات التي تسيطر وتحكم، وتوالى عليها الأمويون والعباسيون والطولونيون والإخشيديون والعبيدون، فالأتراك السلاجقة فالأرتقيون. كما تعرضت فلسطين خاصة، وبلاد الشام ومصر عامّة، لحملات صليبية، وتعرضت الأندلس لحملات مماثلة ومشابهة، ومن هنا التفت المشارقة إلى المغاربة والأندلسيين يستنجدون بهم، كما التفت الأندلسيون إلى المشرق للثبات أمام العدو، وخاصة أيام دولة بني الأحمر ومملكة غرناطة، وهذا الأمر في إطار الأسرة الواحدة.
ويرصد المؤلف أحوال الأندلسيين في القدس والأقصى، وسائر أرض فلسطين، مؤكدا انه كانت القدس ملاذاً للمهاجرين عن الأندلس حين ضغطت قشتالة، وسائر الدويلات المعادية لأهل الأندلس. استقر فيها العلماء والخطباء والفقهاء لأعمال معينة، كالإفتاء والتدريس والإمامة والخطابة ومنصب قاضي القضاة، ومن هؤلاء : ابن جميل المالقي، محمد بن يوسف الأندلسي، ومحمد بن أحمد البكري الشريشي. ويسرد محمد رضوان الداية، في الكتاب، جملة تفاصيل موسعة حول معالم مدينة القدس، ومنها حارة المغاربة التي اشتهرت في تاريخ هذه المدينة بسكنى الأندلسيين والمغاربة فيها، ومن معالمها : باب المغاربة، جامع المغاربة، وزاوية المغاربة.
ثم يحكي المؤلف، بوجهة بحثية منهجية، عن هجرة الأندلسيين إلى القدس، بعد سقوط دولتهم. ويبين في هذه النقطة، انه كان لأبي بكر الإشبيلي ( 468 543 ) رحلة مع أبيه، من مدينتهم أشبيلية إلى المشرق العربي الإسلامي. وتذكر الرحلة عدداً من أعلام أهل الأندلس الذين أقاموا في القدس، إقامة دائمة، أو نزلوا فيها ولازموا الأقصى معلّمين أو متعلمين على سبيل المجاورة. وزار ابو بكر ابن العربي مدناً وقرىً فلسطينية كثيرة، فهو يذكر : (عسقلان والقدس ونابلس وعكا وطبرية والخليل)، وايضا أقام في مدينة نابلس شهوراً، ومما التقطه من الصور بعض أحول النساء في المدينة. وقال : (.. دخلت نيفاً على ألف قرية من بريّة، فما رأيت نساء أصْون عيالاً ولا أعفّ نساءً من نساء نابلس). وكان للقدس والمسجد الأقصى منها خاصة، النصيب الأكبر من إقامته ومن متابعاته الدراسية، وما يلحق بها من البحث والمناظرة.
wوأبو بكر بن العربي هو من كبار فقهاء الأندلس وعلمائها، وقاضٍ من حفّاظ الحديث، برع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، وصنف كتبا في الحديث والفقه والأصول والتفسير والأدب والتاريخ ووليّ قضاء إشبيلية. كما كان في الأندلسيين من رحل إلى المشرق أكثر من مرّة، يستهويهم الحج والعمرة وزيارة القدس، وطلب لقاء العلماء، ومن هؤلاء، ابن جبير صاحب الرحلات الثلاث.
وفي النصف الثاني من القرن الثامن الهجري كان للأندلسي المدجن عبد الله بن الصباح رحلة من أرض أندلسية إلى المشرق العربي الإسلامي، ومرّ ببلدان كثيرة وأقام في بعضها، وأطال الإقامة في بعض منها كالذي صنعه في إقامته في القدس:(وفي كل عيد تزين الأسواق والحوانيت بحلل الحرير ثلاثة أيام في عيد الفطر، وثمانية في عيد النحر، وتبقى الحوانيت مفتوحة بالليل والنهار موقدة تشعل إلى الصباح). ومن أصحاب الرحلات إلى المشرق للحج والزيارة ولقاء العلماء، أبو الحسن علي القلصادي (815 891 هـ) من أهل بسطة بالأندلس، قام برحلته سنة 840 هـ ، وأقام في عدد من البلدان.
وكان في الأندلسيين الواصلين إلى المشرق أبو عبد الله محمد الغرناطي المعروف بابن الأزرق، الذي ولد بمالقة عام 832 هـ، وتوفي في القدس عام 896 هـ.
اقدم مدينة
يؤكد الكتاب، وفق منهج اكاديمي بحثي، على عروبة القدس، مبينا انها أقدم مدينة عربية بناها اليبوسيون، وذلك نحو سنة 3000 ق. م. ويوضح ان أهل يبوس وما حولها، هم من أصل كنعاني، ومرّ بها : المصريون واليهود وآشور والفرس واليونان والرومان والبيزنطيون، وكان آخرهم هرقل الذي استطاع أن يستجمع قوى جيشه ويردّ على هجمة الفرس، وان يسترد منهم القدس في سنة 629، اذ دخلها حافياً، واستطاع بذلك، انذاك، ان يصنع للإمبراطورية البيزنطية مجدّاً جديداً.
المؤلف في سطور
عمل الدكتور محمد رضوان الداية، في تدريس اللغة العربية في جامعات: دمشق - الجزائر- الامارات. وهو مولود في مدينة دوما (دمشق) عام 1938. وكان تلقى تعليمه في دمشق، وتخرج في جامعتها حاملاً الإجازة في اللغة العربية، ثم نال الماجستير والدكتوراه من القاهرة. وهو عضو جمعية البحوث والدراسات . لديه مؤلفات عدّة، منها : دراسة في شخصية الأمير ابن الأحمر وأدبه بيروت 1966 . النقد الأدبي في الأندلس دمشق 1968 .
الكتاب: من الأندلس
إلى بيت المقدس
تأليف : محمد رضوان
الداية
الناشر: الهيئة العامة
السورية للكتاب
وزارة الثقافة
دمشق 2011
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
