في عام 1984 قبل الناشر الفرنسي كلود دوراند أن يتولى مهمة تمثيل مصالح الكاتب الروسي الكبير الكسندر سولجنستين على الصعيد العالمي، وبجميع المعاني التي تدل عليها مهمة تمثيل المصالح. تلك المهمة تجد صداها اليوم في كتابه الذي يحمل عنوان: "ممثل مصالح سولجنستين".

السؤال الذي يطرح نفسه بداية هو كيفية توصيف هذا العمل. وهل هو ذكريات؟ أو يوميات؟ أو ربما سيرة أدبية؟ بكل الحالات إنه يخص علاقة شخصية وعامة وأدبية مع أحد أكبر مبدعي القرن العشرين، بل والذي يتم اعتباره أكبر كاتب في النصف الثاني من القرن العشرين، و"الذي سوف تعيش أعماله طويلا"، حسب تعريف المؤلف.

ويحتوي هذا الكتاب على كمٍ كبير من الحكايات والمقالات وخاصة الرسائل المتبادلة "التي يتم نشرها للمرّة الأولى" بين الكاتب الروسي الكبير صاحب رواية "جناح السرطان" الشهيرة وناشره الفرنسي، المؤلف والكاتب الذي يوضّح الكثير من التساؤلات التي قد تثار حول "موضوعه المفضل" سولجستين. ولعلّ الأهمية الكبرى لهذا الكتاب هي أن صاحبه لا يتحدث عن "موضوعه" من خارجه، ولكن من علمه الدقيق بـ"خبايا الداخل". إنه ناشره وممثل مصالحه الدولي وأفضل محاميه. إنه هذه الأشياء كلها، كما يشير في كتابه.

ويحكي المؤلف في هذا الكتاب ما يمكن اعتباره "مغامرة" نشر كتب سولجستين. والمغامرة من مظاهرها الفكرية والسياسية والإعلامية بالتحديد. ذلك أن الكاتب الروسي عرف المنفى خلال سنوات طويلة من حياته. وكان الرجلان، الكاتب وناشره وصديقه قد ارتبطا بـ"عقد من الوفاء" طيلة 35 عاما.

ولا يبخل كلود دوراند في تقديم الكثير من المعلومات عن سلوكية سولجستين وعما كان يدور في داخله. هكذا نعرف أنه كان شديد الحذر حيال الصحفيين. وكان أيضا يكنّ الإعجاب للكاتب الفرنسي ومقدّم البرنامج التلفزيوني الأدبي الشهير "فاصلة" عن عالم الكتب والإبداع برنار بيفو الذي كان قد كرّس خمس حلقات لسولجستين. بالمقابل أبدى الكاتب الروسي غضبا شديدا من شخصية إعلامية فرنسية أخرى نالت شهرة كبيرة خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، أي "ليون زيترون" الذي نشر "خبرا كاذبا" عن سولجستين بأنه مصاب بـ"انهيار عصبي" فردّ عليه بالقول: "اولئك الذين مرّوا بمدرسة معسكرات الاعتقال القولاق- لا يمكن أن يصابوا بانهيار عصبي"، كما ينقل المؤلف.

ويكشف المؤلف عن الكثير من التفاصيل حول الكيفية التي جرى بها "تسريب" مخطوطات سولجستين إلى الخارج بغية نشرها، وحيث لعب الكاتب الألماني "هنريش بول" دور "المهرّب" عدة مرات. والإشارة إلى "مشاكل ترجمة". تلك المخطوطات، ذلك أن الكاتب الروسي كان يعرف اللغة الألمانية جيداً والفرنسية قليلاً وأقل منها الانكليزية ولم يتردد بعض المرات من إظهار غضبه الشديد عندما رأى ما آلت إليه نصوصه في اللغات الأخرى. هكذا لم يتردد في "منع" بعض الطبعات" وفرض إعادة ترجمتها، وخاصة باللغة الاسبانية، حيث تحوّلت مثلاً جملة "كانت الآلة تدور بلا جدوى" بالأصل الروسي إلى "كانت الآلة تعمل بأفضل ما يكون" في الترجمة الاسبانية. والإشارة أيضا أن العديد من أعمال سولجستين جرت ترجمتها انطلاقا من ترجمات إلى لغات أخرى غير الروسية.

ويروي المؤلف ما جرى أثناء اجتماع سولجستين مع مترجميه الفرنسيين الذين كان القاسم المشترك بينهم أنهم كانوا طلبة في جامعة السوربون وكان أستاذهم هو "بيير باسكال"، مترجم أعمال دوستويفسكي إلى اللغة الفرنسية. لقد أدهش الكاتب الروسي الحضور بمدى اهتمامه بالمسائل اللغوية الدقيقة على عكس ما كانوا يتصورون بأن اهتمامه الأول هو "الإيديولوجيا". وقد أفصح أولاً عن قلقه حيال "إفقار" اللغة الروسية وضرورة تجديدها عبر "إثراء القاموس" باشتقاقات جديدة.

ويشرح المؤلف أن الكسندر سولجستين أمضى السنوات الأخيرة من حياته تحت ضغط فكرة واحدة هي "ضرورة الإسراع بإنجاز عمله كاملاً قبل أن يكسب الموت السباق". تتم الإشارة في هذا السياق أن دار نشر "فايار" الفرنسية هي الوحيدة في العالم التي نشرت جميع أعمال الكاتب الروسي الشهير، وأنها ستتابع خلال السنوات القادمة نشر الجزء الأخير من عمل "العجلة الحمراء" والذي يصفه المؤلف أنه يعادل "ثلاثة أضعاف حجم رواية الحرب والسلام لتولستوي". وهناك أيضا عمل شعري من 12000 بيت، ما يؤكده "كلود دوراند" هو أن أعمال سولجستين "ستستمر قراءتها بعد ثلاثمائة أو خمسمائة سنة".

المؤلف في سطور

كلود دوراند، كاتب، ومدير سابق لدار نشر فايار الباريسية خلال سنوات 1980-2009. سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان "كنت صاحب الرقم 1" الصادر عن دار نشر البان ميشيل.

دفاعاً عن الصديق

السمة الأولى في هذا الكتاب هي أنه ليس عملا نقديا حيال ألكسندر سولجنستين وأعماله. بل لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في توصيف "نزعة ميل سولجستين الشديدة للسريّة"، كما أشيع عنها عامة، بأنها "دلالة على الاستخدام السليم للسر". كذلك لا يتردد في نفي كل ما قيل عن "بطله" من نعوت تعلقه الشديد بكل ما هو سلافي وتأييده للنظام الملكي ورجعيته وعدائه للسامية.

الكتاب: ممثل مصالح

سولجنستين

تأليف: كلود دوراند

الناشر: فايار

باريس 2011

الصفحات :233 صفحة

القطع: المتوسط