يقولون إن "سنونوة واحدة لا تصنع الربيع"، ولكن الجميع يتفقون على أنها تبشّر به، هذا ما يذكّر به الأستاذ الجامعي البريطاني تيم بيركيد قارئة في كتابه الذي يحمل عنوان "حكمة الطيور".
ويذهب بيركيد أبعد من ذلك كي يسأل كم من البشر يعرفون أن كل طائر صغير من طيور السنونو التي تجوب الفضاء هو "معجزة". ومعرفة مسار كل سنونوة يقدم دلائل عديدة على ذلك. هكذا يقدّم المؤلف في القسم المكرّس لهجرة الطيور في هذا العمل معلومات تثير الدهشة، وليس أقلها إدهاشا قوله أن أفواج السنونو "البريطانية" تأخذ طريق الهجرة في كل خريف لنتجه صوب البحر الأبيض المتوسط ثم تجتازه وتتابع طريقها فوق الصحاري الشاسعة جنوبه وصولا إلى جنوب إفريقيا.
المسألة التي تقطعها السنونوة "ذهابا وإيابا" في رحلتها من وإلى بريطانيا يحددها تيم بيركيد بـ000 22 كيلومتر. أما "مسافة" الطيران التي تقوم بها السنونوة طيلة حياتها فيتم تقديرها بما يعادل الرحلة "ذهابا وإيابا" من الأرض إلى القمر والعكس.
ولا يقتصر دور "السنونو" على التبشير بقدوم الربيع، بل تقدم هذه الطيور فوائد كبيرة للبشر. وينقل المؤلف عن القس السويدي "اولوس ماغنوس" تأكيده في عام 1555 أن الصيادين تعودوا أن يرموا شباكهم في البحار والمحيطات حيث تحوم طيور السنونو فوق الماء وحيث "يختلط السمك بالسنونو"، كما يقول القس المعني.
إن المرجعية الأساسية التي يعتمد عليها مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته لسلوك الطيور وعالمها هو العالم البريطاني "جون راي" الذي عاش في القرن السابع عشر وأطلقوا عليه تسمية "أب التاريخ الطبيعي البريطاني". ذلك من خلال اهتمامه بعالمي النبات والحيوان، وخاصة من موقعه كمؤرخ للطبيعة وحيث أكّد في جميع الحالات على "حكمة العناية السماوية" في الانسجام الكامل لجميع المخلوقات.
وكان "راي" قد قام بأسفار عديدة إلى بلدان أوروبية وخاصة إيطاليا وألمانيا. وكان أول من قام بنوع من التصنيف الدقيق لأنواع الطيور على أساس شكل "المنقار" والساقين. ولا يتردد تيم بيركيد، مؤلف هذا الكتاب، بوصفه أنه كان "الرائد" في مجال الدعوة إلى "تأمّل ما يقع باستمرار تحت مناظرنا (...) والإعجاب بجمال النباتات والفن البارع للطبيعة".
ولم يكن التأمّل بالنبات وبدرجة الكمال التي تفصح عنها الطبيعة إلا أحد جوانب اهتمام "جون راي" إلى جانب عالم الحيوان عامة والطيور خاصة حيث قدّم كتابا عن "الأنواع البحرية"، ويعتبره المؤلف في هذا السياق أحد الذين ساهموا بشكل فعّال في إرساء "مفاهيم الأنواع" و"تصنيفاتها".
كذلك يتم تقديم جون راي على أنه أول من أوائل الذين درسوا حركات الطيور ودلالاتها. هذا مع الإشارة أن آخرين كُثر كانت لديهم قبله طريقتهم لفهم العلوم الطبيعية وحاولوا الكتابة عنها أو فيها، فإن "راي" هو أحد الذين أسسوا للتصنيف العلمي لـ"الأنواع" المتواجدة في الطبيعة. وكان يحرص على أن تترافق تصنيفاته بالصور التوضيحية التي تجعلها مفهومة أكثر بالنسبة لجمهور عريض من القرّاء.
الأطروحة التي يقدمها المؤلف حيال "جون راي" هي أنه أحد أكبر الباحثين في مسائل الطبيعة خلال القرن السابع عشر.
والشخصية لمركزية برفقة صديقه فرنسيس ويلغبي الذي توفي بسن مبكرة- في التأريخ لعالم الطيور حيث كان قد جمع كل ما كان معروفا على صعيد القارّة الأوروبية حولها. وأرسى بالوقت نفسه أسس مقاربة "التاريخ الطبيعي".
ومن الحكايات الطريفة تلك التي يروي فيها كيف أن طائر البطريق الصغير قد يدافع أحيانا "حتى الموت" عن مساحة صغيرة "احتلّها" على سطح صخرة بالقرب من المنحدر الذي يطل على الشاطئ.
التعلّم من الطيور
يشرح المؤلف كيف أن الطيور كانت معينا كبيرا للإنسان من أجل التعرّف على أسرار العلوم الطبيعية. وبهذا المعنى تساهم هذه الكائنات "الفضائية" في تعريف البشر "كيف يرون العالم الذي يحيط بهم". هكذا يكرّس المؤلف عددا من الصفحات لشرح "كيف تعلم البشر المعرفة". ومن خلال ملاحظة "سلوكية" الطيور وقدومها ورحيلها "قرأ" الأوائل زمن تعاقب الفصول. ولا يتردد المؤلف في القول أن الطيور "علّمتنا" الكثير.
المؤلف في سطور
تيم بيركيد هو أحد أعضاء المعهد الملكي البريطاني للعلوم، وأحد أنصار البيئة المشاهير في بريطانيا، وكذلك على الصعيد العالمي، خاصة فيما يتعلق بأبحاثه حول عالم النبات والحيوان.
الكتاب : حكمة الطيور
تأليف: تيم بيركيد
الناشر: بلومسبري
لندن 2011
الصفحات: 437 صفحة
القطع : المتوسط
