يركز الكتاب على واقع انه يمكن القول إن أسئلة النهضة والحداثة تظهر بوصفها أسئلة قديمة / جديدة في المجتمعات العربية، وطُرحت قبل مئتي عام، وما زالت مطروحة بالدرجة نفسها من الحدة والاهتمام والجدية، دون أن تجد أجوبة مناسبة، كونها واجهت صعوبات عدة أخرّت إنجازها، على رأسها انعدام مناخ الحرية الذي يتيح للمثقفين والنخبة وأنصار النهضة أن يعبروا عن رأيهم، ويدافعوا عن أفكارهم، وقد فُرضت الرقابة الصارمة السياسية والاجتماعية والثقافية عليهم وعلى هذه الأفكار، مفسحة المجال، في المقابل، أمام التيارات السلفية والمتشددة، الدينية والقومية، التي تسلحت بالتراث والفقه والشريعة، والتفسير الظاهري للقرآن والسنة، وغياب الاجتهاد والتأويل، ودمج العروبة بالإسلام، ثم انتعشت تيارات الإسلام السياسي بعد هزيمة يونيو حزيران من القرن المنصرم، وفشلت الحركات القومية والأنظمة القومية واليسارية في أداء مهامها، وكان لعصا الاستبداد والقمع والهزائم المتكررة أمام إسرائيل دور مهم في ذلك.

ويرى المؤلف حسين العودات أن القرن التاسع عشر كان، بالنسبة إلى العرب، قرن طرح الأفكار النهضوية وتداولها، بالرغم من الاستبداد الإقطاعي التركي، والتخلف الاجتماعي، والفقر وفساد إدارة الدولة، حيث التقط رواد النهضة العرب، على اختلاف أفكارهم، صيحات النهضة ونداءاتها، وحاولوا نصرة قيمها وإنجاحها. غير أن الظروف والشروط الموضوعية التي كانت سائدة، لم تساعدهم في اختيار أفضل المفاهيم والقيم. وقد نادى النهضويون الإسلاميون، من أمثال خير الدين التونسي والطهطاوي والأفغاني وعبده ورشيد رضا وسواهم، بنهضة تعتمد على مبادئ الإسلام، على خلفية اعتبارهم الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان بسبب قوله بالاجتهاد، وقادراً على استيعاب النهضة والحداثة والتحديث، وإقامة أنظمة سياسية جديدة عادلة، فلامسوا بشعاراتهم وأفكارهم هذه جوانب إصلاحية ونهضوية، لكنها لم تكن في إطار برنامج نهضوي شامل واضح عميق وجذري، فيما كانت أفكار النهضويين الليبراليين أكثر وضوحاً وجذرية، أمثال أفكار فرنسيس مراش وشبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم، إلا أن هؤلاء النهضويين ظنوا أن نقل التجربة الأوروبية كفيل بتحقيق النهضة العربية، مفترضين أن ما نجح في أوروبا لا بد أن ينجح في المجتمعات العربية، فارتهنوا إلى التماهي مع التجربة الأوروبية، ولم يبدعوا أو يحاولوا الإبداع في مواءمتها مع ظروف المجتمعات العربية.

ولا يخفي القول السابق أن معظم النهضويين لم ينادوا بالقيم التنويرية بالمقايسة فقط، بل كانوا موغلين في المحافظة السياسية والاجتماعية والدينية، ما أفقد أفكارهم وأطروحاتهم القدرة على التجذر والتأسيس. وحاول بعض المفكرين الإسلاميين المتنورين رفض مفاهيم الحداثة الغربية ومعاييرها، وذلك في ضوء تأكيدهم أن الإسلام قادر على استيعاب معطيات التطور ومستلزماته الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية. وتجسدت بدايات حركة النهضة العربية في نشوء حركة تنويرية، ومحاولة بعث الآداب العربية، وبداية نمو للوعي القومي العربي اقترنت بازدياد المزاج المعادي للإقطاع، وانطلاق دعوات للاستقلال السياسي، إلى جانب نشوء حركة الإصلاح الإسلامي، والتأثير القوي للثقافة الغربية في الثقافة العربية. واتسمت بعدم استيعاب التقدم الشامل متعدد الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية من داخل الذاتية الحضارية العربية والثقافة والفكر العربي، وبالتالي لم تكتمل الأفكار النهضوية.

أما الحداثة، فلم تستوطن على نحو كامل وشامل أياً من البلدان العربية، فمرت رياحها، وتركت أثراً جزئياً في المجال الفكري أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، ولكنها لم تترك نظاماً كاملاً يحتوي مجمل مفاهيمها أو نظمها. وتعود أسباب فشل الحداثة في البلدان العربية، ووقوعها في أزمة، إلى أن العرب أخذوا منها بعض المفاهيم، التي لم يتم أقلمتها في التربية العربية،

المؤلف في سطور

حسين العودات، كاتب وإعلامي سوري، مؤسس وكالة الأنباء السورية (سانا) ومديرها العام (1966 1970)، ومستشار رئيس الوزراء لشؤون الصحافة، ثم لشؤون الثقافة (1971 1985)، ومدير عام دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع (1987-1995)، وخبير غير متفرغ لدى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو)، ومدير تحرير جريدة أخبار العرب (أبوظبي) عام 2000. نشر العديد من الكتب والدراسات والأبحاث حول شؤون الإعلام والثقافة والمجتمع والسياسة في البلدان العربية، لصالح هيئات ومنظمات عربية ودولية متعددة. من مؤلفاته: (الموت في الديانات الشرقية)، (النصارى العرب).

أسئلة

أن أسئلة النهضة، التي طُرحت على المجتمعات العربية في نهاية القرن الثامن عشر، مازالت ماثلة أمام هذه المجتمعات، تتحداها، وتشكل عبئاً عليها؛ لأنها لم تتلق الإجابات الضرورية التي تحتاج إليها، ملمحاً إلى أنه باتت القضايا الأساسية، المتصلة بمراحل النهضة وقيم التنوير والإصلاح والحداثة والعلمانية والديمقراطية، إذ تشكل مصدر قلق معظم المثقفين والسياسيين العرب، وتؤثر سلباً في تطور المجتمعات العربية، إلى جانب إثارتها صراعات عدة. وعليه، فإن أسئلة النهضة لم تستنفد بعد فيها، لذا يُعاد طرحها بوصفها أسئلة عن دخول مجتمعاتنا العربية في الحداثة.

الكتاب : النهضة والحداثة

بين الارتباك

والإخفاق

تأليف: حسين العودات

الناشر: دار الساقي

بيروت 2011

الصفحات: 262 صفحة

القطع: الكبير