تتلخص إحدى الغايات البحثية العلمية والفكرية الثقافية للكتاب، في أنه يبتغي أن يكون واحداً من الآثار التي تملك أن تساعد الزمن المستقبل على استيعاب الزمن الذي عاش فيه مؤلفه، في رحاب وطنه المأسور فلسطين، بما يشمله من جماليات ومكونات طبيعية ومجتمعية وثقافية فريدة. هذا ما نجد أن المؤلف يعتني به بوجهة رئيسية. كما أننا نتبين أنه لعل الغاية الأولى، في مساقات تناول الكاتب، تتحدد في أن هذا الكتاب محاولة لتخليد صورة القرية التي ولد فيها، والتي رأى بيوتها تتهاوى بيتاً إثر بيت، تحت قذائف مدفعية الصهاينة، لتتحول إلى عدم أو إلى حطام، وذلك بعدما عاركتهم أو نازلتهم طوال بضعة أشهر. ويتجسد الكتاب، في منحى وصيغ تناوله، كمحاولة لتوثيق المكان وهو قرية الكاتب «لوبيا»، وذلك لأن الصراع في فلسطين كان ومازال يدور من أجل حيازة الأرض، أي من أجل المكان، والذي يحن الكاتب إلى قيمه السامية في عالم يتفسخ.

ونرى المؤلف، يوسف سامي اليوسف، يدافع في كتابه هذا عن صيانة التفاصيل الكثيرة في الحياة الفلسطينية القديمة، قبيل عام النكبة، وكذلك حفظها من النسيان أو الضياع، لتظل صورتها ماثلة أمام الأجيال، والتي من شأنها أن تسهم في تدشين حركة الاسترداد التي ستنتصر حتى ولو بعد مئات السنين، حيث يرى أن الصهاينة طارئون أو عرضون، وأن قريته «لوبيا» سوف تبنى من جديد، ويرى أن الشخصية اليهودية زائفة أو منتحلة. ويعتني اليوسف ببرهنة حجج غايته الثانية بأبحاثه في الكتاب، والتي تتمثل في فضح أكاذيب الصهاينة، ولاسيما تلك الأكذوبة القائلة إن الحرب لا المجازر، هي التي شردت الفلسطينيين، إضافة الى الحفاظ على اسم قريته «لوبيا» التي نشأ على احترامه وتبجيله لها منذ طفولته المبكرة. وبهذا التحصين الممكن للمكان يكون العقل اسهم في التأسيس للتحرير وإعادة البناء، وهما آتيان لاريب فيهما بتاتاً، على حد قوله، ثم إنها محاولة للنفاذ من «لوبيا» الى فلسطين كلها بل الى العالم بأسره، ومن كارثة حلت بشعب صغير إلى التاريخ البشري جملة.

وهكذا يأخذنا الكاتب في رحلة الى قريته «لوبيا» ليحدد مكانها: (.. فالمرء إذا خرج من مدينة طبريا على شاطئ بحيرة الجليل الفاتنة، واتجه غرباً صوب الناصرة، وإذا ما اجتاز ثلاثة عشر كيلومتراً تماماً فإنه سوف يشاهد عن يساره تلة مرتفعة الى حد ما، وعليها اليوم غابة تسمى «غابة لوبيا» على هذه التلة حصراً، كانت قرية كبيرة بمقاييس ذلك الزمان، وتمتد فوق التلة حتى أطرافها الغربية تقريباً، ثم فوق سفحها الجنوبي، وكذلك.. نحو الجنوب الغربي، وهو الشطر الذي كنا نسميه الخربة، والذي هو قريب جداً من قرية الشجرة التي استشهد فيها الشاعر الوطني عبد الرحيم محمود، أثناء شهر تموز من عام النكبة المرير، ولقد قيض لي أن أولد على السفح الشمالي من تلك التلة، ولكن في مكان قريب من الذروة، أو في منتصف قرية لوبيا التي أرجح انها ترقى الى الطور الكنعاني، بل الى عصر الكهوف. ولقد دمر الإرهابيون الصهاينة تلك القرية، بعدما احتلوها في اواسط شهر تموز، سنة 1948م). ولا ينسى الكاتب ان يقدم لنا صورة عن الحياة الاجتماعية في بلدته ومنها العرس، حيث يقدم لنا لوحة كاملة، فالنساء يغنين في دبكتهن اللطيفة: (على بلاط عكا رنت كنادرنا). ومن أغانيهن أيضاً: (يا رايح الشام جيب الشاب بالمنديل والقمر بالمكحلة والشمس بالقنديل).

ولا يغفل اليوسف في كتابه، تقديم وصف لكل شيء يتعلق بقريته لوبيا، كالأمثال التي لم تعد شائعة في هذه الايام، ومنها: (كلام الليل مدهون بزبدة)، (انطر تيجي الترياق من العراق) وهذا مثل يضرب لمن يتوجب عليه ان ينتظر طويلاً، (الليلة السعيدة من العصر بتبين). ويعتني المؤلف في تبيين حقيقة ان قريته لم تعد موجودة الآن، من جراء تمكن عصابات جاءت من روسيا وبولونيا واوكرانيا ورومانيا وسواها، من طرد أصحاب الأرض الذين يعيشون فيها منذ آلاف السنين، فهدموا بيوتهم وشردوهم بصفاقة ولؤم. ويصف هنا كيف دمر الصهاينة جميع بيوت لوبيا ونقلوا حجارتها وصنعوا منها شارعاً جديداً ليكون بديلاً عن جزء من طريق طبريا الناصرة القديم، الذي كان يسير عليه السيد المسيح.

المؤلف في سطور

يوسف سامي اليوسف، كاتب وباحث وأديب فلسطيني. برز في مجال الدراسات والمقالات الفكرية والتحليلية النقدية. لديه مجموعة من الدراسات الفكرية المتخصصة. ويعتني بشكل بارز بمتابعة الأعمال الأدبية والفكرية بوجهة ومنحى نقدي توصيفي.

صورة حية

يرسم، مؤلف الكتاب، في مفاصل بحثه، صورة للمكان أو للقرية التي ولد فيها، في فلسطين المحتلة، والتي هدمها الصهاينة تماماً، بعدما طردوا سكانها الشرعيين، وذلك ابتغاء طمس معالمها وإزالتها من الوجود. ويهدف الكتاب إلى صيانة صورة فلسطين، واستبقائها حية في خيال الأجيال المتلاحقة، مهتماً بالبيئة الطبيعية والتقاليد الاجتماعية، وبخاصة الملابس والأعراس والأغاني والأمثال الشعبية.

الكتاب: في البدء كان

المكان

تاليف: يوسف سامي

اليوسف

الناشر: اتحاد الكتاب

العرب

دمشق 2011

الصفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط