كل سنة هناك ما بين مليون ومليوني أميركي يعملون كمتدرّبين في مختلف المؤسسات والدوائر. هؤلاء المتدربون يعملون في مواقع مختلفة ابتداء من المقاهي وحتى الكونغرس الأميركي. وهؤلاء يشكلون موضوع كتاب الاقتصادي الأميركي "روس بيرلان" الذي يحمل عنوان: "أمة من المتدربين".
ويوضح المؤلف في تحليلاته الكيفية التي تسيطر فيها "ثقافة تشغيل المتدربين" على أسواق العمل في الولايات المتحدة الأميركية وفي بريطانيا. هؤلاء المتدربون هم بأغلبيتهم الساحقة من جمهور الشباب والطلبة الذين "لا يكسبون سوى النذر اليسير أو لا يكسبون شيئا ولا يتعلمون سوى القليل".
ويقدّم المؤلف نوعا من الدراسة "التاريخية" لظاهرة اللجوء إلى المتدربين وأصولها. وكذلك للآثار التي تتركها على أولئك الذين يعيشون تجربتها، وعلى الشركات والمؤسسات التي تلجأ إليها وفي المحصلة على عالم العمل بشكل عام. تجدر الإشارة في هذا السياق أن كتاب "أمة من المتدربين" يتجاوز كثيرا "التأريخ السردي" للتجارب التي عرفها عالم المتدربين ليقدم مؤلفة رؤية نقدية لأغلبية أرباب العمل الذين يلجؤون إلى هذه الممارسة والذين: "يبيعون فرص العمل بسعر بخس عبر عقود قصيرة الأمد"، كما نقرأ.ومن موقع الاقتصادي الخبير يفنّد المؤلف عددا من المقولات والتحليلات التي شاعت وزعم القائلون بها أن اللجوء إلى تشغيل المتدربين لفترات مؤقتة ساهم في استمرار حالة من الاستقرار في أسواق العمل من جهة وأمّن دخلا، ولو كان متواضعا، لأعداد كبيرة من العاطلين عن العمل.
تتم في مثل هذا السياق حالة مؤسسة كبيرة شهيرة عالميا مثل "ديزني لاند"، حيث تكسب الشركات الداخلة في إطار نشاط هذه المجموعة أرباحا طائلة من تشغيل أفواجا من الطلبة في أعمال مؤقتة وقليلة الأجر. وديزني لاند هي إحدى أكبر مؤسسات العالم "تشغيلا" للمتدربين في فلوريدا ولوس انجلوس ومختلف مناطق العالم.
ولا يتردد المؤلف في القول إن تشغيل المتدربين، بأجر قليل، وفي أحيان كثيرة بدون تقاضي أجر سوى "اكتساب الخبرة"، شائع حتى في الدوائر الحكومية العليا ولدى وسائل الإعلام ومكاتب الكونغرس و"ستوديوهات هوليود" للإنتاج السينمائي، بل ووصلت "نشاطات المتدربين" إلى أفغانستان "العراق" وليس قليل أيضاً عدد "المتدربين" الذين يعملون في جمع القمامة بمختلف المدن الأميركية.
وإذا كانت الأغلبية العظمى من المتدربين هم من الشباب، فإن المؤلف يؤكد أن عدة جوانب لهذه الظاهرة عرفت تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة. فمن جهة أصبحت تشمل أشخاصا من "شرائح مختلفة في السن"، ومن جهة أخرى تزداد أعداد المتدربين بسرعة هائلة بحيث ازداد عدد "المتدربين" من طلبة المعاهد من نسبة 17 بالمائة عام 1992 إلى نسبة 50 بالمائة عام 2008.
ويقدم المؤلف البراهين على أن نسبة كبيرة من الأشغال التي يقوم بها "متدربون" هي "غير شرعية" حسب نصوص قوانين العمل النافذة في الولايات المتحدة. وهذا الاستغلال الضخم والمتسارع لأعداد متزايدة من المتدربين يؤدي إلى "توفير" مبالغ كبيرة بالنسبة للمؤسسات والشركات التي تلجأ إليه. ويقدّر المؤلف قيمة التوفير، تبعا لما جاء في دراسات وإحصائيات مؤسسات مختصة، بما يزيد على 600 مليون دولار سنويا.
وإذا كان المتدربون يخضعون لعملية استغلال حقيقي على المستوى المادي، فإنهم زيادة على ذلك لا يتمتعون بأية "حماية" كالتي تضمنها المؤسسات للعاملين فيها بصورة شرعية ومتوافقة مع قوانين العمل، ولا يملكون القدرة على اللجوء إلى المحاكم، هذا ناهيك عن غياب أي ضمان صحّي. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن الولايات المتحدة وبريطانيا مصابتين بـ"وباء العمل غير المأجور".
وينهي المؤلف كتابه بعرض نوع من "مشروع القانون" خاص بحقوق المتدربين، مرفقا بملاحظة أن "إضرابا عاما يقوم به المتدربون يمكن أن يوضّح مدى مساهمتهم في سوق العمل ومدى الفوضى التي يعرفها".
المؤلف في سطور
روس بيرلان، اقتصادي أميركي يساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الأميركية والعالمية. مهتم بدراسة اللغات المهددة بالانقراض في جنوب شرق الصين والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق.
الأصل اللغوي
يشرح المؤلف كيف أن كلمة "متدرّب" قد توسّع مدلولها واستخدامها خلال العقدين الأخيرين. وقد كانت ذات استخدام حصري تقريبا سابقا للدلالة على "الأطباء المتدربين" الذين يمارسون المهنة لفترة أولى بعد تخرّجهم في الجامعات، ولكنها أصبحت اليوم تدل على العاملين كـ"متدربين" في جميع المهن من أدناها في التصنيف الاجتماعي وحتى أرقاها وأعلاها في الهرم السياسي والإداري.
الكتاب: أمة من المتدربين،
كيف لا تكسب
شيئاً وتتعلم
القليل؟
تأليف: روس بيرلان
الناشر: فيرسو بوك
نيويورك 2011
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
