يدرس المؤلف محمد زعيمة في كتابه (الحكاية الشعبية في مسرح الطفل علي بابا والأربعين حرامي نموذجاً)، (التراث) وتوظيفه والرؤية المستقبلية لهذا التراث وأشكاله المحتملة في مسرح الطفل؛ والحقيقة العملية تشير إلى أن طرح قضية التراث في المسرح، كانت ومازالت مدخلاً لفكرة إنتاج مسرحية عربية الموضوع والشكل.
يعتمد المؤلف منهجاً نقدياً (منهج دنديز)، الذي يعتمد على أن هناك ثلاثة مستويات، بدراسة شكل المسرحية، ثم محتوى المسرحية، ثم أخيراً المستوى اللغوي؛ كما يوضح أن أهم أسباب استلهام الحكايات الشعبية في مسرح الطفل، هو قدرتها التوليدية، وتعطي الأديب فرصة خصبة في مجالات توظيف عناصرها في بناء فني جديد يناسب الطفل.
وكتابة حكايات جديدة من عناصر حكايات قديمة، في بناء فني، يعتمد على مهارة الأديب القادر على إعادة تشكيل الحكاية الشعبية القديمة؛ بذلك يصبح المسرح هو الوعاء السحري القديم كل المشهيات والأهداف السامية للطفل. ما يجعل المسرح وسيلة اجتماعية تربوية، هذا إلى جانب التشويق والتسلية للطفل.
ويتحدث المؤلف عن مراحل الطفولة المؤلفة من: مرحلة الخيال المحدود بالبيئة.. وفيها يتقبل الطفل القصص التي تتضمن الحيوانات والطيور والجماد وهي تتكلم، أي يكون الطفل شغوفاً بالحكايات الخيالية والخرافية، ويجب أن تكون الحكايات قصيرة ومشوقة ومرحلة الخيال الحر..
وفيها يميل سلوك الطفل إلى إشباع الغرائز ولا يجدي الوعظ والإرشاد المباشر، ويفضل قصص القدوة الحسنة، كما يفضل استغلال ميول أطفال تلك المرحلة للعب والتقليد والقصص الشيقة؛ ومرحلة المغامرة والبطولة..
ويميل الطفل إلى القصص القريبة من الواقع، وقصص المغامرات والرحلات والقصص البوليسية، وأيضا قصص الأبطال الحقيقين مثل صلاح الدين الايوبي. بالإضافة إلى ميل الطفل لممارسة اللعب المركب البنائي؛ وفي تلك المرحلة يحرص الكاتب المسرحي على إبراز الفعل لا الحوار في تقديم الفكرة؛ أما المرحلة التالية فهي مرحلة المراهقة.
وفيها يستمر الميل إلى قصص المغامرات والبطولة والقصص البوليسية والجاسوسية؛ وأيضاً قصص النجاح الاجتماعي، والوصول إلى الزعامة والقيادة؛ وفي هذه المرحلة يلعب المسرح دوراً كبيراً في تنشئة الطفل، وتكون أفكاره حول المثل العليا والنماذج البطولية في التاريخ وفي الأدب الشعبي.
يتم توظيف الحكاية الشعبية لأسباب عدة، منها التعريف بمضمون وأفكار الحكاية الشعبية، والتي يمكن أن تحقق الانتماء الفكري والوجداني لدى الطفل.. لكن هناك الكثير من الأسباب المهمة التي تضيف أهمية للحكاية الشعبية.
يؤكد المؤلف على ضرورة أن يلتزم الكاتب المسرحي مراعاة عدة نقاط: معالجة الحكاية بمنطق الطفل وليس بمنطق الكبار، ولذلك يجب الاهتمام بعالم الطفولة في الحكايات الشعبية؛ والاعتماد على تحقيق الهدف التربوي والتعليمي المطلوب للطفل.
وذلك من خلال صور وحركات درامية ومواقف مثيرة جذابة للطفل والتركيز على عناصر التشويق والبهجة للطفل، حتى ينجذب الطفل للعمل؛ وتوظيف الحكاية الشعبية في المسرح للأطفال لا يعنى تقديم القيم والمفاهيم القديمة، بل يمكن تقديم المفاهيم والمواقف والقيم المعاصرة التي يفهمها الطفل.
أما النموذج التطبيقي الذي وظفه المؤلف فهي حكاية (علي بابا والأربعين حرامي) الشهيرة، وقد قام بتحليل ثلاثة معالجات لثلاثة كتاب لنفس الحكاية على المسرح، وهم: نبيل بدران، والسيد حافظ، وحمدي الجابري.
فقد اعتمد أحدهم على الغناء والاستعراض بدلاً عن الحوار في مختلف مواقف المسرحية.. كما كانت وسيلة التنكر لإثارة الضحك، كما في موقف (تنكر كهرمانة) في ملابس اللصوص للوصول إلى (علي بابا) في سجنه.. فيما اعتمد أحدهم اللهجة العامية فى الحوار بين شخصيات المسرحية.
بينما اعتمد آخر اللغة العربية الفصحى السهلة، والجمل القصيرة ذات الإيقاع الموسيقى.. فيما وظف أحدهم الخيال بدرجة كبيرة فى المسرحية، مثل شكل المغارة وطريقة شق الصخرة، والتي يمكن أن تكون من ملامح الزمن المعاصر.. وقد اعتمد البعض على حيل مثل التكرار
والمفارقة وحيل التنكر، وهي أقرب إلى تقنيات درامية وليست في الأدب الشعبي المعروف.. وأيضاً استخدم أحدهم (الأراجوز) كوسيلة للحكي، وهو شكل شعبي آخر.. بعد كل المحاولات الحداثية التي يسعى بعض كتاب أدب الطفل في الشكل المسرحي، فإن الحكايات الشعبية معين لا ينضب، ينهل منه كتاب الأطفال في كل الأشكال الإبداعية.. ولعل المهم في الأمر هو أن يعي الكاتب أنه يتوجه للطفل، يخاطبه بعقليته ويتماس مع خصائصه النفسية والجسمانية.
الكتاب: الحكاية الشعبية في مسرح الطفل «علي بابا والأربعين حرامي نموذجاً»
تأليف: محمد زعيمة
الناشر: هيئة قصور الثقافة 2010
الصفحات: 120 صفحة
القطع: المتوسط
