ينطلق بيير روزنفالون في كتابه ( مجتمع التكافؤ) من الفكرة التي تتمثل في قوله أن البلدان الغربية تعيش في المرحلة الراهنة "ثورة مضادة حقيقية". ويشرح أنه منذ مطلع عقد الثمانينات الماضي يقوم الأكثر ثراء في هذه المجتمعات بزيادة "حصتهم" من الدخل القومي ومن الملكية الوطنية، الأمر الذي يمثل، بنظر المؤلف، انقلابا في الاتجاه المعاكس لما كان سائدا قبل ذلك والذي كان يرمي بوضوح إلى تقليص الفوارق في الثروة.

السؤال الجوهري الذي يطرحه مؤلف الكتاب يمكن إيجازه بالصيغة التالية: هل يمكن للديمقراطية أن تعيش كمنظومة سياسية عندما لم تعد موجودة، أو لم تعد موجودة إلا بدرجة قليلة جدا، كمجتمع؟

ويشير بداية في معرض الإجابة أن مظاهر التمرّد والعصيان التي شهدتها بلدان أوروبية عديدة خلال السنوات الأخيرة، كتلك التي قامت في الضواحي الفقيرة لعدد من المدن الفرنسية الكبرى خلال خريف عام 2005، تواكبت مع صعود حركات اليمين المتطرف التي تلعب على العواطف الشعبية في أوروبا. هذه الحركات التي "تنشط" تحت دعوى "إعادة التلاحم حول الهوية الوطنية".

إن المؤلف يشرح على مدى الفصول الخمسة التي يتألف منها الكتاب الضرر الكبير الذي يلحقه واقع "زيادة حدة التباين" على المجتمعات الغربية. ولعناوين الفصول دلالتها بهذا الصدد حيث جاءت كالتالي: "اختراع المساواة" و"المظاهر المرَضية للمساواة" و"قرن إعادة توزيع الثروة" و"المنعطف الكبير" وأخيرا "مجتمع التكافؤ في الفرص".

المظاهر الثلاثة الأكثر بروزا لواقع تزايد حدة التباين وغياب المساواة في المجتمعات الغربية يتم تحديدها بـ"إعادة الإنتاج الاجتماعي" و"غياب المعيار" كنتيجة لجعل العالم كسلعة و"الانقسامات" داخل المجتمعات المعنية حيث أصبحت تتواجد مناطق عزل غيتو- حقيقية لبعض المكونات الاجتماعية. إن الأسباب والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي ولّدت مثل هذا الوضع القائم على زيادة الفوارق.

في الواقع وليس في الخطاب، معروفة للجميع، كما يرى المؤلف. وعرفت فكرة "المساواة" التي تشكّل أحد الأسس التي تقوم عليها مبادئ الدولة الفرنسية، إلى جانب "الحرية والإخاء" انحسارا كبيرا جعل "ضحاياه" يشعرون بحالة من العجز وعدم إمكانية الفعل. هذا في الوقت الذي "ليس هناك ما هو أكثر إلحاحا من إعادة تعزيز أسس فكرة المساواة للخروج من الطرق المسدودة التي تتسم فيها المرحلة الراهنة".

ومن الواضح أن المؤلف يحاول المساهمة في النقاش الجاري حول مسألة المساواة في مجتمعه الفرنسي خاصة، والمجتمعات الغربية الموصوفة أنها "ديمقراطية" عامة، وذلك بطريقتين، الأولى عبر التذكير بما عرفه قرنان من النقاش حول هذا الموضوع والوصول فيما بعد إلى توصيف الحالة الراهنة. والثانية عبر تقديم نوع من "فلسفة المساواة" باعتبارها علاقة اجتماعية ينبغي أن تحكم المجتمعات المعاصرة.

ويؤكد المؤلف أن هذه المجتمعات التي تطلق على نفسها توصيف "ديمقراطية" لن تستطيع الاستمرار والبقاء إلا إذا حققت درجة، حد أدنى، من التكافؤ بين أفراد مجتمعاتها. وهو يجد سنده الفكري لدى جان جاك روسو، صاحب "العقد الاجتماعي" الذي تأسست عليه المجتمعات الغربية عامة، عندما أكد أنه لا يمكن شراء الإنسان واعتباره مجرد سلعة، كما في عالم اليوم. ويصل المؤلف في تحليلاته ضمن هذا النهج إلى التأكيد أن "المساواة تعاني من البطالة" في المجتمعات الغربية الحديثة اليوم. وهذا يتساوى لدى معسكري اليمين واليسار على حد سواء.

وفي إطار البحث عن صيغ إعادة بناء المجتمع على أسس مبادئ المساواة يتعرض المؤلف لمفاهيم العدالة كما جاءت في نظريات مفكرين غربيين كبار من أمثال جون رولس وارمارتياسن، ذي الأصل الهندي، ومفاهيم الهوية لدى "شارل تايلور" وغيره والاعتراف بالأخر لدى "اكسيل هونيت".

ولا يتردد المؤلف في الاعتراف أنه كان قد أخطأ كثيرا فيما أظهره سابقا من تفاؤل حول إمكانية الجمع بين المجتمع والسوق. وهو يرى اليوم أن الرأسمالية المالية لم تشن فقط هجوما شرسا على الدولة من أجل الحد من دورها في الاقتصاد، ولكنها أضعفت، عبر هجومها على الدولة، المجتمع المدني، ومنعته من القيام بدوره "الطبيعي" في لعب دور تحرري للمجتمع كله.

والرسالة النهائية التي يصل إليها المؤلف في تحليلاته هي تأكيده أن إعادة بناء المجتمع على أساس احترام الفرد وعلى فكرة المبادلة والانتماء بالتساوي إلى المجموع تشكل شرطا للوصول إلى درجة أعلى من التضامن مما هو قائم في الوقت الراهن بالمجتمعات الغربية.

 

الكتاب: مجتمع التكافؤ

تأليف: بيير روزنفالون

الناشر: سويل باريس 2011

الصفحات:427 صفحة القطع: المتوسط

 

La société des égaux

Pierre Rosanvallon

Seuil - Paris- 2011

427 .p