تدل الإحصائيات الصادرة عن مراكز الدراسات المختصة بمسائل السكان في العالم أن عدد سكان المعمورة سوف يتجاوز عتبة 7 مليارات نسمة من الآن وحتى نهاية هذا العام 2011. هذا يعني أن هذا العدد ازداد سبعة أضعاف خلال العقدين الأخيرين وربما أنه سيصل إلى ما بين 9 و10 مليارات في نهاية القرن الحادي والعشرين حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة.
فهل هناك انفجار سكاني يلوح في الأفق؟
على هذا السؤال يجيب الصحفي البريطاني المختص بشؤون البيئة فرد بيرس في كتاب يحمل عنوان: "الانفجار السكاني القادم". ولكنه يفاجئ كُثيرا بالإجابات التي يقدمها حيث يؤكد أن المتشائمين مخطئون في توقعاتهم وأن الخوف من الزيادة المفرطة في عدد سكان العالم تنتمي إلى "عالم الأوهام" أكثر مما تنتمي إلى عالم الواقع.
إن المؤلف يعود إلى دراسة الخط البياني لتزايد عدد السكان على ضوء مختلف النظريات منذ "روبرت مالتوس" وحتى العصر الراهن. ويحاول تقديم البراهين أن مقولات مالتوس "المتشائمة" حول أخطار زيادة عدد سكان العالم لا تثبتها مؤشرات الواقع.
والتأكيد أن "النمو السكاني الديموغرافي- لن يحقق الكارثة المعلنة". والتأكيد بالمقابل أن زيادة عدد السكان في العالم ستتوقف من الآن وحتى جيل قادم، بل والذهاب إلى أبعد من ذلك والتأكيد أن القرن الحادي والعشرين سيكون "العصر الذهبي" للمسنّين المدافعين عن حماية البيئة.
من الأفكار الرئيسية التي يؤكّد عليها مؤلف هذا الكتاب هو أن المهم فيما يتعلّق بالمسألة السكانية في العالم ليس بالتحديد عدد أولئك الذين يعيشون على سطح الأرض، فهذا العدد "ليس هو المشكلة". ولكن بالأحرى "الطريقة" التي "يستهلك" فيها المعنيّون هذه الأرض.
وما يتم تأكيده في هذا السياق أن عدد سكان العالم سوف "يستقر" بعد أجل قريب كمعدّل عام. وهناك بلدان سيتعاظم عدد سكانها بينما سينحسر هذا العدد في بلدان أخرى. هكذا سيكون عدد سكان روسيا "التي تشيخ" بعد فترة غير بعيدة "أقل من عدد سكان اليمن"، كما نقرأ.
النتيجة الأولى للواقع السكاني في الأفق القريب هي أنه "من النفاق" القول بإمكانية فرض رقابة صارمة على موجات الهجرة في العالم. ذلك أن بلدانا عديدة، وخاصة المتقدمة منها، ستكون بحاجة ماسّة إلى "يد عاملة" من أجل تسيير اقتصادها. هذا خاصة أن مجتمعاتها تشيخ بسرعة.
وليس بعيدا الزمن الذي سيصبح فيه معدّل أمل الحياة في العالم 90 سنة كـ"معيار عالمي". لكن تحسّن الصحة العامة سيتواكب بالضرورة مع إمكانية العمل لفترة زمنية أطول.
في المحصلة يؤكد المؤلف أن العالم هو بصدد "تفكيك القنبلة الديموغرافية"، ونساء اليوم ينجبن نصف عدد ما كانت تنجبه أمهاتهن. ويشير أن المتوسط العالمي اليوم للإنجاب هو 2,6 طفل لكل امرأة. هذا يعني أننا نقترب من "عتبة إحلال جيل مكان آخر".
وكذلك شرح أن هناك تبدّلا جوهريا في "الأولويات". إذ لم تعد مشكلة الإنتاج الغذائي هي الزيادة السكانية ولكن بالأحرى هي تغيير "الأنظمة الغذائية". بتعبير آخر أن العالم لا يواجه اليوم "قنبلة سكانية" ولكن بالأحرى "قنبلة استهلاكية". وهنا بالتحديد تكمن "المشكلة الحقيقية" كما يرى فرد بيرس.
ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب برسم لوحة للواقع "السكاني" القائم في العالم لكنه يحاول أيضا تقديم رؤيته لما يمكن أن يساهم في تجنب أن يكون "مئات ملايين" البشر "ضحايا" لنقص الغذاء بينما هناك قسم كبير من الإنتاج الغذائي مكرس لتغذية الحيوانيات.
إنه يطالب، كأحد الحلول بالنسبة لـ"أكثر فقرا بين الفقراء" في أفريقيا، بضرورة مساعدتهم في تحسين التقنيات الزراعية وليس نهب أراضيهم من أجل تكريسها للصناعات الغذائية بحجة إيجاد فرص عمل جديدة عبر الاستثمارات التجارية لاحقا. هذا رغم علم الجميع أن الصناعة الغذائية تنتج "أرباحا" وليس "غذاءً" بالدرجة الأولى، المقياس بالنسبة لها هو مدى ما يحققه الهكتار من "دولارات" وليس من إنتاج غذائي.
ويحدد المؤلف أحد أكبر المتغيرات القادمة على الصعيد السكاني في العالم بزيادة عدد سكان القارة الأفريقية، بما في ذلك بلدان شمال أفريقيا العربية، بحيث يزيد عدد سكانها من 800 مليون نسمة عام 2000 إلى 3,6 مليارات نسمة عام 2100.
هذا رغم انتشار مرض نقص المناعة المكتسب "الايدز"، كما يشير المؤلف. هذا يعني أن واحدا من أصل كل ثلاثة من سكان العالم سيعيش في إفريقيا مقابل واحد من أصل كل سبعة اليوم. والهند ستسبق الصين قريبا من حيث عدد السكان.
إن "الانفجار السكاني" وما يترتب عليه من "نهاية العالم" لن يتحقق. هذه هي الرسالة الأساسية التي يحاول فرد بيرس البرهان عليها في هذا الكتاب بالاعتماد على كمٍ كبير من الإحصائيات والدراسات وعلى آراء الخبراء.
ورسالة أخرى هي أن الخطر الذي يواجهه العالم ليس "التهديد الديموغرافي" ولكن أزمة البيئة والمناخ، وخاصة خطر نمط الاستهلاك السائد.
الكتاب : الانفجار السكاني القادم
تأليف: فرد بيرس
الناشر: باكون برس- لندن- 2010
الصفحات: 312 صفحة
القطع: توسط
The coming population crash
Fred Pearce
Bacon Press- London - 2010
312 .p
