تحت عنوان "لا شيء يعترض الليل" صدر للروائية الفرنسية دلفين دوفيغان كتابا يحمل توصيف "رواية" بينما صنفه النقاد والمجلات المختصة بالدراسة. ذلك أنه يخص سيرة حياة والدة المؤلفة التي توفيت عام 2008 وهي في عامها الواحد والستين.
إن المؤلفة تعود إلى الكثير من الشهادات والوثائق والصور وكل ما يمكن أن يكون "أثرا" تركته أمها خلال مسيرة حياتها. من خلال هذا كله ترسم ملامح أمّها "لوسيل الجميلة"، كما تصفها، المولودة عام 1946، الابنة الثالثة لأسرة أنجبت تسعة أطفال. ولا تتردد المؤلفة في الحديث عن كل شيء في سيرة حياة والدتها، المظاهر المضيئة والأسرار "الأكثر عمقا".
وتعود دلفين دو فيغان إلى تاريخ 31 يناير من عام 1980، أو "يوم المأساة"، كما تقول حيث أعلن الأطباء أن أمها مصابة بمرض نفساني "عصاب نفساني" بعد أن مرّت بنوبة "هذيان جنوني" حقيقي. في ذلك اليوم جرى إبعاد دلفين، المؤلفة، وأختها عن منزل الأسرة للعيش عند أبيهما في منطقة النورماندي الفرنسية.
كانت تلك هي "المأساة الأولى" في سلسلة من المآسي التي اكتشفتها مؤلفة هذا الكتاب عندما "نقّبت" في ذكريات أفراد أسرة والدتها التي كانت حياتها نموذجا لنمط عيش الأسر الفرنسية. "أسرة فرنسية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية". ولكنها أسرة عرفت الكثير من الأسرار ومن أشكال العنف التي جعلت من أمّها فيما بعد "امرأة ضعيفة ومتقوقعة على نفسها".
ما تؤكده المؤلفة قولها: "إنني أكتب بسبب ذلك اليوم 31 يناير 1980". فانطلاقا من ذلك اليوم أرادت أن تفهم ما الذي دفع أمها لمثل تلك الحالة و"كيف تخرّب شيء ما في مملكتها الداخلية"؟ ولا تتردد المؤلفة في القول أيضا أن هناك رابطة خفية قوية بين "قصة والدتها" وبين "الكتابة" والتأكيد أن أمّها "تحولت" بقوة حضورها إلى حضور "قسري" في رواياتها.
من هذه الزاوية يبدو الكتاب عن الأم هو بمثابة نوع من "سيرة الكتابة" لدى المؤلفة نفسها وبحيث أصبح "الاقتراب من لوسيل هو أيضا اقتراب من الآخرين، من الأحياء".
وتذكر دلفين دو فيغان أن أمها كانت فد قررت أن تضع حدا لحياتها بعد شهر واحد من وفاة أمها، أي جدة المؤلفة. لقد قررت الأم أن "تتحرر من شياطينها" التي كانت تلاحقها دون توقف. وتشير المؤلفة أنه غداة وفاة أمها أعلنت النبأ لأطفالها: "رحلت جدّتكم". وعلى الأسئلة التي طرحوها كانت تجيب بالقول: "لقد اختارت أن تنام".
لكن بعد عدة أسابيع رفض ابنها الأكبر "روايتها" عن "نوم" الجدة. وقال لها: "ينبغي أن نسمّي الأشياء بأسمائها. إن جدّتي قد انتحرت. لقد أسدلت الستارة (...) ولا شك أنه كان لديها الأسباب الموجبة التي دفعتها لفعل ذلك. بكل الحالات ما تؤكده المؤلفة هو أنها لا تزال تعيش حالة من الاضطراب والانفعال كلّما فكّرت بانتحار والدتها. هذا ليس من حيث "مضمون" ما فعلته، فهذا واضح، ولكن بالأحرى من حيث "شكل" ما فعلته.
ومن خلال جدل الحياة والموت، والآخر والكتابة، تشرح المؤلفة أنها لم تعد تستطيع تحديد الوقت الذي خطرت لها فكرة الكتابة عن أمها، عن سيرة حياتها، وبالتحديد أكثر عما أحاط بها. لكنها تعرف بالدقة أنها رفضت طويلا تلك الفكرة، خاصة أمام السلسلة الطويلة للكتاب الذين تعرضوا لسيرة حياة أمهاتهم.
يتم في هذا السياق نقاش معمّق عن "فعل الكتابة" ومقدماته وأسبابه وآلية انطلاقه. تقول: "لقد حددت قائمة من العقبات التي انتصبت أمامي والمخاطر الكبيرة التي سأتعرّض لها إذا شرعت بتلك الورشة". وتضيف: "كانت أمي بمثابة مجال شاسع جدا وقاتم جدا ومثير لليأس جدا".
لكن "اهتمامات" الأم أثارت "شهية" الابنة للكتابة التي نقرأ فيما كتبت: "أعتقد أن لوسيل كانت مغرمة بالتتالي بمارسيلو ماستروياني الممثل الإيطالي الشهير- وبجوشكا ستيدلو، الناقد المسرحي الذي لم تره أبدا وإنما كانت معجبة بقلمه، وبرجل أعمال أسمته ادوارد، الذي لم نعرف أبدا هويته الحقيقية، وبغراهام، المتشرّد كلوشار- الأصيل في دائرة باريس الرابعة عشرة، الذي كان يجيد عزف القيثارة ومات غيلة".
ومن الأحداث "الغريبة" في حياة أمها التي دفعتها للكتابة عنها هو أنه "جرى منعها من استخدام الصكوك الشيكات- المصرفية لعدة سنوات ذلك أنها كانت قد وزّعت أموالها على المارة في الشارع".
الكتاب: لا شيء يعترض الليل
تأليف: دلفين دوفيغان
الناشر: جان كلود لاتيس- باريس- 2011
الصفحات:400 صفحة
القطع: المتوسط
Rien ne soppose à la nuit
Delphine De Vigan
J. C. Lattes - Paris- 2011
400 .p
