يتفق المحللون والباحثون السياسيون الغربيون على القول إن هناك علاقة عضوية قوية بين توجهات الرأي العام في البلدان المسمّاة بالديمقراطية وبين صياغة القرارات الخاصة بالسياسة الخارجية. وتوماس كنيشت يكرّس كتابا تحت عنوان «الانتباه للسياسة الخارجية» يبحث فيه كيفية تأثير الرأي العام على القرارات الرئاسية الأميركية بشكل خاص.
يحدد المؤلف القول منذ البداية أن وزن الرأي العام في صياغة السياسات الخارجية للبلدان الغربية عامة تنامي أكثر فأكثر منذ نهاية فترة الحرب الباردة. هذا ما تدلّ عليه سلسلة الاستطلاعات التي قامت بها مؤسسات مختصة. تتم إعادة السبب الرئيسي لمثل هذه الظاهرة إلى الاهتمام الإعلامي المتزايد هو الآخر بالأحداث الدولية. ويؤكد المؤلف أن القيام بعملية تحليل عميق للممارسات الحكومية الغربية عامة يوضح أن السياسات الخارجية للدول المعنية قد أخذت باعتبارها الرأي العام منذ بداية عقد التسعينات في القرن الماضي، أي منذ نهاية الحرب الباردة.
قبل ذلك التاريخ كانت السياسة الخارجية الأميركية "محكومة" إلى حد كبير بالسياق الدولي للحرب الباردة. هذا خاصة أن الاتحاد السوفييتي السابق كان قد برز على المسرح الدولي كأحد القوتين العظميين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث ان القوى الأوروبية، الاستعمارية سابقا، تراجعت على صعيد موازين القوى الدولية. بالتالي كانت هناك باستمرار "مواجهة" ضمنية، ولكن يقرّ بها الجميع، بين نموذجين مجتمعيين، رأسمالي واشتراكي. من هناك كانت القوتان العظميان، الأميركية والروسية، تستخدمان بالدرجة الأولى إمكانياتهما العسكرية والمالية كمحرّك لسياستيهما الخارجيتين.
إن المؤلف يرى بـ"أزمة الخليج" ثم "حرب الخليج الأولى"، عام 1991 أحد المنعطفات المهمة في آليات اتخاذ القرار على صعيد الإدارات الأميركية بعد نهاية الحرب الباردة. أثناء تلك الأزمة حرصت إدارة جورج بوش الأب، على أن تنال "الضوء الأخضر" من الرأي العام الأميركي، وإلى درجة ما من "الرأي العام وراء الحدود". هذا ما يتم شرحه عبر تفحّص "آليات طرح المشكلة والخيارات المطروحة". ذلك وصولا إلى اتخاذ قرار الحرب.
يتم في هذا السياق تحديد القول إن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان كان قد أرسى مقولة مفادها أن "الديمقراطية" تزداد قوة وانتشارا في العالم وأن "الحرية ليست حصرا على بعض أصحاب الامتيازات ولكن ينبغي أن تكون حقا ثابتا وكونيا ـ يونيفرسال ـ لجميع البشر"، كما جاء في خطاب له يعود إلى عام 1982.
وعبر المزج بين أفكار "القوة" و"الأخلاق" استطاع ريغان صياغة نوع من "التوجه الإستراتيجي" في صياغة سياسة خارجية ترمي إلى المحافظة على مصالح أميركا في العالم باعتبارها "القوة الديمقراطية الأولى". بهذا المعنى أيضا أصبحت الديمقراطية "وسيلة" في السياسة الخارجية وليس "غاية". وهذا ما جرى استخدامه لدى الرأي العام الأميركي قبل حرب الخليج الأولى لاتخاذ قرار الحرب.
واعتبارا من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 برز اهتمامان أساسيان لدى الرأي العام الأميركي، وهما مكافحة الإرهاب وحماية فرص العمل بالنسبة لعامة الأميركيين. هذا يشترك فيه الجمهوريون والديمقراطيون بنسب تقارب 80 بالمائة من مجموع الأميركيين. وإلى جانب الاهتمامين المذكورين برزت نزعة الأميركيين باتجاه "حصر الاهتمام بالقضايا الداخلية الأميركية" و"الابتعاد عن القضايا الدولية".
ما يؤكده المؤلف هو أنه "من المفروض عامة" إصغاء أصحاب القرار الغربيين لما يفضله ناخبوهم عندما يقومون بصياغة سياساتهم الخارجية التي تطرح في غالب الأحيان تحديات صعبة. ويشرح أن صياغة السياسات تحت أنظار "العين الفاحصة" للرأي العام تختلف كثيرا عن صياغتها "عندما لا ينظر أحد". بالتالي عندما يتزايد اهتمام الرأي العام بالسياسات الخارجية تتزايد أيضا الرهانات السياسية المترتبة عليها.
بهذا المعنى يرى المؤلف أن الرؤساء، وتبعا لمدى تزايد أو انحسار أو اهتمام الرأي العام بالسياسة الخارجية، قد يحاولون توجيه وقيادة الرأي العام أو السير في خطاه أو ربما تجاهله بكل بساطة.
الكتاب : الانتباه إلى لسياسات الخارجية، كيف يؤثر الرأي العام على القرار الرئاسي؟
تأليف: توماس كنيشت
الناشر: جامعة بنسلفانيا - 2011
الصفحات: 264 صفحة
القطع: المتوسط
Paying attention to foreing affairs
Thomas Knech
Pennsylvania University Press - 2011
264 p.
