إلى أين تمضي مسيرة التوحيد الأوروبي؟ هل ستتعزز أم هي مهددة بانفراط عقدها؟ و«هل يمكن أيضا إنقاذ أوروبا»؟ هذا هو الاستفهام الذي يشكل عنوان كتاب وزير التربية الفرنسي الأسبق وأحد شخصياتها الفكرية الهامة، كلود اليغر.

تتم الإشارة إلى عدد من الوقائع التي تثير الكثير من التساؤلات، إذا لم يكن من الشكوك. اليوم هناك الأزمة اليونانية وغدا قد تندلع الأزمة في ايرلندا أو البرتغال أو اسبانيا أو حتى فرنسا نفسها. هذه الوقائع الأزمات تدعو بالضرورة إلى التفكير الجدّي حول السبل إذا كانت ممكنة، لتجنّب تفجّر منطقة اليورو في المرحلة الأولى والتفكير الجدي أيضا حول مستقبل مسيرة التوحيد الأوروبي.

ويصبح التفكير بمثل هذه التحديات ضرورة أكبر عندما يبدو للعيان أن المؤسسات الأوروبية الراهنة لا تستطيع الاستجابة السريعة المستلزمات الحل في سياق عولمة تطبع العصر كله بطابعها. ثم يرى المؤلف أنه لا مناص من ملاحظة أن هناك تنافرا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا بين بلدان الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين، ما يجعل من الصعب جدا الوصول إلى «صيغة حكم» فعّالة.

يضاف إلى هذا ملاحظة أن الشعوب الأوروبية عامة، وفي مقدمتها الشعب الفرنسي والشعب الألماني، رغم أن فرنسا وألمانيا تشكّلان محرك مسيرة التوحيد الأوروبي، لم تعد تؤمن كثيرا بأوروبا في نسختها القائمة والمطلوب منها أن تحقق التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وتأمين فرص العمل. هذا في الوقت الذي يقول فيه الواقع شيئا آخر، حيث أصبحت أوروبا «مرادفا» للبطالة وتمثل مربّعا خصبا لأولئك الذين يملكون الأموال، بينما تزداد فيها معاناة أغلبية الشرائح الشعبية التي تميل نحو الفقر.

مثل هذا الواقع يرى المؤلف أن له حلاً واحداً ناجعاً، هو التخلّص من حالة الجمود القائمة والعمل على إعادة صياغة المشروع الأوروبي وإعادة هيكلة كاملة لأوروبا، بحيث يمكنها أن تصبح من جديد أفقا «مرغوبا ومطلوبا» من قبل الأوروبيين. ويخلص المؤلف إلى القول ان هذا هو الحل الوحيد الذي يمكن أن يعطي للقارة القديمة موقعها المتقدم على المسرح العالمي. إن المهمة ليست سهلة فـ«العواطف مهددة» ولكن «انهضوا، فهذه العواصف مرغوبة»، كما ينهي كتابه.

الأزمات والعواصف كثيرة وعاتية، ولكنها تمثل بالوقت نفسه «مناسبات» للتأمل والتفكير و«تشغيل المخيلة». ويرى أنها تعاني أولا مما يسميه «مشكلة الصورة». ذلك أن هذه القارة التي تشكّل أكبر سوق في العالم وتمتلك على نسبة عالية جدا من المؤهلين وأصحاب الكفاءات يتم النظر إليها على أنها قوة «متواضعة» على رقعة الشطرنج الدولية. هذا فضلا عن أنها تعاني من أزمات مثلما في اليونان اليوم وفي ايرلندا بالأمس، وفي هذه الدولة أو تلك غدا. وهذا يهدد بنشوب أزمة عالمية جديدة.

ثم إن الأوروبيين أنفسهم ينظرون إلى أوروبا كما لو أنها غير قادرة على التأقلم مع المعطيات العالمية ـ الكونية الجديدة. تتم الإشارة هنا إلى أن مثل هذا التصور يتناسى واقع أن الإجابات التي قدمتها أوروبا على الأزمة العالمية لعام 2008 كانت من الأكثر فعالية، كما يشير كلود اليغر.

ويتعرض المؤلف بالشرح والتحليل للبنك المركزي الأوروبي الذي ينتظر نشوب أزمة كي يلعب الدور الذي ينتظره منه الأوروبيون. هذا في الوقت الذي ينبغي عليه أن يكون حافزا للاقتصاد وليس مجرّد النضال ضد التضخم والدفاع عن يورو قوي في الأسواق الدولية. ينقل المؤلف عن رئيس البنك المركزي الأوروبي قوله: دورنا الذي حددته لنا المؤسسات الأوروبية هو مكافحة التضخّم.

ويجدد المؤلف القول انه من الأفكار الجيدة، والمطلوب العودة إليها هي تلك التي قال بها عام 1977 كل من ليونيل جوسيان، رئيس وزراء فرنسا آنذاك، ودومينيك ستراوس كان، وزير اقتصادها والرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، والتي رفضتها ألمانيا في حينها. ومفادها ضرورة إيجاد حكومة اقتصادية أوروبية. هذا بشكل تصبح فيه قلب أوروبا النابض. هكذا أيضا تغدو هناك حدود تجارية أوروبية محميّة من الاعتداءات الخارجية. وبالمقابل مزوّدة بقواعد مرنة للمنافسة الداخلية، خاصة فيما يتعلق بحماية الخدمات العامة للدول وآليات الضبط الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها.

في محصلة التحليل يرى المؤلف أن أوروبا لا بد منها، لكنها في حالتها الحالية تعاني من الكفاءة ومن درجة التكيف ومن سوء الاستخدام. وأوروبا مصابة بما يسميه المؤلف فيروس الحماس الأوروبي المكثّف الذي يدفع بالذهاب السريع أكثر مما ينبغي نحو الإفراط في تجاوز المشاعر الوطنية. هذا دون نسيان البيرقراطية المعطّلة التي يتميّز فيها عمل المفوضية الأوروبية.

 

الكتاب : هل يمكن أيضاً إنقاذ أوروبا؟

تأليف: كلود أليغر

الناشر: بلون ـ باريس2011

الصفحات: 196 صفحة

القطع: المتوسط

 

Peut- on encore sauver lصEurope --

Claude Allègre

Plon - Paris- 2011

196 p.