القاهرة هي أحد أكبر مدن العالم اليوم وأكثرها اكتظاظا بالسكان، حيث تقول بعض التقديرات إن عدد سكانها يقارب في النهار 20 مليونا من البشر. إنها تجمع سكاني وعمراني هائل يخصه الاقتصادي الأميركي ديفيد سيمز بمسائل التطوّر العمراني وتخطيط المدن بكتــاب يحمل عنوان: (فهــم القاهرة) ويصفـــها في عنوانـــه الفرعي أنها (مدينة خارج السيطرة).

القاهرة (معجزة) لعلّ هذا هو التوصيف الأكثر (إيجازا) الذي يمكن أن يلخص مضمون كتاب ديفيد سيمز. إنها قبل كل شيء (عملاق ديموغرافي وعمراني) ولكنه (عملاق) يستطيع التحرك والتقدّم بخطى فيها الكثير من الثقة. هكذا يقدمها أيضا المؤلف متجاوزا بذلك جميع التوصيفات الشائعة عن القاهرة بأنها (نموذج للفوضى) حيث ان الملايين من قاطنيها هم الذين يقومون بمهمة بنائها و(تنظيمها على هواهم).

إن المؤلف يرمي في عمله إلى (فهم القاهرة) وهو يعتمد في توصيفاته على كمٍ كبير من الدراسات حديثة العهد عمّا يسمى بـ (القاهرة الكبرى) وعلى الخرائط كما يقوم بعملية توصيف دقيق لآليات توسعها وتطورها خلال تاريخها القصير السابق، حيث عرفت قيام عدد من الأحياء العشوائية المعروفة بـ (العشوائية) وتحظى أنماط العمارة ومسارات تطورها وحركة المواصلات ووسائل والسياسات التي تنتهجها السلطات المحلية المسؤولة.

وإذا كانت الفوضى هي إحدى السمات التي لا ينفي المؤلف وجودها، لكنه لا يذهب بعيدا في اتجاه تأييد ذلك، فإنه لا يتردد بالمقابل أنها (تدور وتدار) بشكل مقبول، بل وبشكل جيد رغم واقع الازدحام والتلوث وإهمال تكدّس القمامة في العديد من أحياء القاهرة.

الأمثلة التي يقدمها المؤلف على حسن سير و(تسيير) القاهرة، خاصـة إذا جرت مقارنتها مع مدن كبيرة أخرى شهيرة في العالم مثل ريو دي جانيرو وكاراكاس وغيرهما، هي أمثلة عديدة وفي مقدمتها حالة (الأمن والأمان) السائدة فيها. بل ويؤكد المؤلف أن الأحياء المعروفة بـ (العشوائيات) تعرف حدا معقولا من الحياة الهادئة والتعايش بين قاطنيها الذين أصبحوا يشكلون الأغلبية بين سكان العاصمة، إذ تدلّ الإحصائيات المقدّمة أن عددهم بلغ حوالي 11 مليون نسمة.

هذه (العشوائيــات) ليســـت مرتعا للجريمة المنظمة ولمختلف أشكال التجارة الممنوعة من مخدرات وغيرها. هذا ما يؤكّده المؤلف على خلاف الآراء التي تتكرر هنا وهناك. يتم في هذا السياق تقديم توصيف دقيق لنمط الحياة في هذه الأحياء الشعبية الفقيرة، وحيث ان سكانها لا يملكون القدرة الاقتصادية للخروج منها والسكن في أحياء أكثر (احتراما) لما تقتضيه الحياة الإنسانية الكريمة.

الملاحظ هو أن المؤلف لا ينضمّ إلى جوقة المشككين بإمكانية واقع الأحياء المعنية. إذ مع اعترافه أنها تعاني من أزمات حقيقية وتنقصها مختلف المرافق الحيوية فإنه يؤكد على أهمية تغيير أسس نمط العلاقات الاجتماعية كخطوة أولى في مسار طويل، والبحث عن وسائل وسبل تسهّل حياة قاطني العشوائيات فيما يتعلّق مثلا بإيجاد طرق مواصلات تتناسب مع واقع شوارع العشوائيات الضيقة.

لكن مساهمة السلطات الرسمية لا يرى فيها المؤلف سوى (جزء)، ولكن جزء واقعي، من المساهمة في حل التحديات لتي تواجه (القاهريين)، وخاصة سكان الأحياء الفقيرة. أما (عبقرية) ما يسميه بـ (المنطق خارج السيطرة) فإنه يجدها في تبنّي سكان العاصمة، وبطريقة واعية إلى حد كبير، نموذج استهلاك وإطار عمل يقوم على نوع من الاكتفاء الذاتي على مستوى كل حي، الأمر الذي يجنّب (تداخل) مشاكل الأحياء فيما بينها.

هذا بمعنى أن هناك نمطا للعيش في الأحياء الفقيرة مثل (العشوائيات) يختلف إلى درجة كبيرة عن نمط عيش أبناء (الأحياء المسوّرة). مثل هذا (التقسيم)، رغم مظهره الطبقي، يجد فيه المؤلف نوعا من القدرة على (اختراع) حلول (مناسبة) لمشاكل (مطروحة). تتم الإشارة إلى أن سكان مدينة مثل (ريو دي جانيرو) لا يمكنهم أن يقولوا الشيء نفسه. ولا يمكن المقارنة بين كثير من أحياء (ريو)، رغم خضوعها لتخطيط عمراني مسبق، وأحياء القاهرة (العشوائية) التي قامت عمليا بدون أي تخطيط منظّم مسبق،

هذا مع الإشارة إلى أنه لا يوجد في القاهرة أحياء (مهمّشة) من حيث وجود مختلف المتاجر مثلما هو الحال في الأحياء القصديرية المتواجدة على محيط مدينتين كبيرتين مثل ليما وبومباي. النتيجة التي يستخلصها ديفيد سيمز من هذا كله هو أن (الأحياء العشوائية حققت نجاحا) على أساس (منطقها الخارج عن السيطرة).