البدانة داء عصري بامتياز. بل هي تكاد تكون نوعا من "العار" حسب قاموس الأخلاقيات السائدة في الحضارة الحديثة. الباحثان في مسائل المنظومات الصحية وإشكاليات البدانة "نيال سيمان" و"باتريك لوسياني" يقدمان كتابا تحت عنوان "البدانة وحدود العار".
البدانة هي أحد المخاطر التي تهدد الصحة الإنسانية اليوم. الأدلّة التي يقدمها مؤلفا الكتاب عديدة وليس أقلّها واقع أن الأشخاص البدينين يواجهان خطر التعرّض لذبحة قلبية "احتشاء في عضلة القلب" بنسبة تبلغ ضعف ما يمكن أن يواجهه البشر العاديون.
وبنسبة 85 بالمائة من أولئك الذين يعانون من مرض السكّري "من الفئة الثانية" هم من بين الذين يكتنزون عدة كيلوغرامات زائدة من الدهون. كذلك تدل الإحصائيات لصادرة عن مؤسسات البحث المختصّة بالصحة العامة في الولايات المتحدة أن ثلثي الأميركيين البالغين يعانون من البدانة، المفرطة في أغلب الأحيان. وسلسلة الأمثلة التي يقدمها المؤلفان عن السمنة والسمان طويلة.
والبدانة ليست خطرا "خافيا" على السلطات العامة بكل مستوياتها وتنوعها. ذلك أن جميع الهيئات المختصّة بالصحة العامة ومختلف الحكومات تبنّت سياسات ترمي إلى مكافحة السمنة الزائدة لدى مواطنيها.
وليست قليلة هي النشرات الصحية والبرامج التلفزيونية والإذاعية والدراسات المنشورة في الصحف والدوريات العامة والمختصة التي أخطرت المعنيين بما يواجهونه من تهديد صحي. وليس الإنذار فقط ولكن جرى تبنّي خطط وبرامج واقتراحات لـ"تخفيف الوزن". لكن "الفشل" كان هو المحصلة عامة.
هذا "الفشل" يعود، كما يشرح المؤلفان، إلى تحديات متعددة الوجوه والمكوّنات. ذلك أنها ذات طابع شخصي ووراثي وثقافي بالوقت نفسه. والبدانة ظاهرة في "غابة التعقيد". البعد الشخصي فيها يجعل من "سياسة مكافحة البدانة" أداة غير فاعلة ذلك أنه لا يمكنها أن تقدّم حلولا تستجيب لمختلف الحالات الفردية "الشخصية".
بالتالي لا بد من التفكير بطريقة "خلاّقة" أكثر من أجل دفع البدينين للاستجابة وللحد من أخطار "وباء البدانة" الذي يشكل السبب الجوهري الأول في عدد كبير من الأمراض المزمنة التي ترافق المصاب بها طيلة حياته.
والبدانة ليست خطرا صحيا فحسب: بل هي أيضا مصدر خسائر مادية ضخمة بالنسبة لميزانيات الدول. هكذا يتم رصد مبالغ هائلة لمكافحتها، وتصل نفقات الحكومة الأميركية وحدها إلى حوالي 200 مليار دولار سنويا من أجل الصحة العامة. وللبدانة أيضا آثارها الاقتصادية على القطاع الخاص الأميركي. ويقدّر المؤلفان قيمة الخسائر السنوية لهذا القطاع بحوالي 30 مليار دولار. ذلك على صعيد الإنتاجية بالتحديد.
من السمات التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب بناء على دراسة الحالة الأميركية للبدانة تتمثل في القول أنه، على رغم وجود نسبة تزيد عن نصف السكان يعانون من البدانة، فإن الأغلبية العظمى من الأميركيين من بين البدينين أو الذين يمتلكون "فائضا" من الدهون، يعتقدون واقعيا أنهم في حالة بدنية ممتازة، مع كل ما يتضمّن عليه هذا من ابتعاد عن الحقيقة. ثم إن أغلبية البدينات في الولايات المتحدة لا يعتبرن أنهن، أو أن أولادهن، من فئة البدينين.
تتم الإشارة أن بعض البلدان التي يميل سكانها إلى البدانة، مثل المملكة المتحدة، هناك ميل متعاظم لدى السياسات الحكومية ذاتها كي يتم دفع البدينين إلى الإحساس بـ"العار". ذلك على خلفية اعتبار أن البدينين هم الذين يتحملون مسؤولية زيادة الدهون التي يكتنزونها. المؤلفان يعتقدان بـ"عدم فعالية" مثل هذه السياسة ذلك أن ثقافة السخرية من البدانة لا تأخذ باعتبارها البعد الثقافي في مجال الصحة العامة.
ويؤكد المؤلفان بأشكال مختلفة أن البشر "منهكون بسبب الدهون الجديدة". ويدركون أن البدانة سيئة جدا بالنسبة لصحّتهم. لكنهم لا يقومون بالمقابل بردٍ ناجع وقاطع. السبب الأول في ذلك تتم إعادته إلى أن هناك "سيلا مرهقا من المعلومات".
"البدانة وحدود العار" كتاب يواجه "مباشرة" قطاع الصحة العامة على الصعيد العالمي. ويقترح مؤلفاه سياسات بديلة "مجددة" تحت عنوان: "نمط الحياة السليم" الذي يهدف بوضوح إلى تقليص كمية "السعرات الحرارية" في وجبات الطعام وبالتالي تقليص المشاكل الصحية المواكبة للبدانة.
