يقدّر الخبراء بعلوم الأرض أن عمر الكوكب الذي نعيش عليه هو حوالي 4,5 مليارات سنة. وكانت قد أحاطت بالأرض الكثير من الأساطير التي لم يكن أقلّها أن الشمس والكواكب الأخرى تدور حول الأرض، وأن الأرض ظلّت لفترة طويلة كوكبا "مسطّحا". هذه الأساطير وغيرها سادت على مدى آلاف السنوات حتى انتهت على "صخرة المعرفة". هذه الرحلة "من الأساطير إلى المعرفة" هي التي يتعرّض لها الفيزيائي الفرنسي هوبير كريفين في كتابه الذي يحمل عنوان: "الأرض من الأساطير إلى المعرفة".
يدرس المؤلف مجموعة المقولات التي سادت حول الأرض ومسيرة المعرفة العلمية حيالها عبر قسمين رئيسيين يخص الأول "عمر الأرض" والثاني "حركتها". وفي القسم الخاص بعمر الأرض يركز المؤلف على ثلاثة محاور تبعا لثلاث مراحل تخص فترة "ما قبل العلم" ثم "بداية الأزمنة الحديثة" وأخيرا "القرن العشرين والنشاط الإشعاعي". أما حركة الأرض فتتم دراستها تحت محورين، يحمل الأول عنوان: "ما قبل كوبرنيكوسى" والثاني "دراسة المسافات". ويكرّس المؤلف الصفحات الأخيرة من الكتاب لما يسميه "حقيقة علمية حصرا".
ويرى أن الأرض تدور حول نفسها كما تدور حول الشمس. وعمرها حوالي 4,5 مليارات سنة. فالجميع يعرفون اليوم الحقيقة الأولى والأخصائيون يتفقون على دقة تقدير عمر الأرض. لكن مثل هاتين الحقيقتين لم يتم القبول بها بسهولة إذ وجدتا مقاومة هائلة من قبل القائلين بأطروحات كان يتم اعتبارها صحيحة وغير قابلة للنقاش على مدى عهود طويلة.
ثم إن المقولات العلمية نفسها قابلة هي نفسها للخطأ. وكثيرة هي النظريات التي سادت لفترة طويلة باسم العلم ثم أثبت نظريات أخرى لاحقة أنها غير دقيقة. هذا يعني أن العلم نفسه قد يكون "رواية" مثل غيرها من الروايات. بل وتتم في هذا السياق مناقشة فكرة أن "الرواية العلمية" يتم طرحها أحيانا تحت تأثير شبكات نافذة في موازين القوى الاجتماعية والاقتصادية السائدة.إن المؤلف يقدم شرحا مستفيضا للنظريات القديمة ذات الطابع الأسطوري متعدد المشارب. و"من وهم" تلك النظريات برزت نماذج من التفكير العلمي تدريجيا.
هذه النظريات الجديدة "شبه العلمية في البداية" دخلت في منافسات تبعا للأدوات والمفاهيم النظرية والتجريبية المتوفرة.هكذا كان الفيزيائي الشهير تومسون، المعروف باسم اللورد كيلفن قد حدد أن عمر الأرض هو ما بين 20 و40 مليون سنة، وعمر الشمس حوالي 100 مليون نسمة نسمة.
مثل هذه الأرقام جرى "تعديلها" وتصحيحها في مراحل قادمة وصولا إلى تقدير عمر الأرض حاليا بـ4,5 مليار نسمة. ويلخّص مؤلف هذا الكتاب النقاش العلمي بـ"حركة مد وجزر لا نهاية لها بين نموذج فكري موديل- سائد وبين الواقع التجريبي". البراهين هي التي تحسم في النهاية.
ويحدد المؤلف هدفه في هذا الكتاب بـ"المساهمة في جعل الثقافة العلمية أحد مكونات الثقافة بالمعنى الدقيق للكلمة". وهدف آخر هو "إظهار كيف ولماذا اضطر فلاسفة عصر التنوير الأوروبي إلى تقديم أطروحات علمية حول الأرض"، وغالبية تلك الأطروحات خالفت إرادة الكنيسة.
ومن المعروف أن العالم الإيطالي غاليلي غاليليو الذي قال إن الأرض تدور حول الشمس، اضطر إلى إعلان "خطأ مقولاته" والإقرار بـ"صحّة مقولات الكنيسة" تجنّبا لفقدان حياته.
ويشير المؤلف إلى أن العلم المعاصر وسّع كثيرا من مجال التاريخ وأن العديد من الوقائع العلمية لا يمكن إدراكها بالحواس المجرّدة بل عبر الملاحظة القائمة على الطريقة العلمية. هكذا قيل عن الأرض الكثير من الأساطير التي دخلت في "صراع" مع العلم.
ودفع الكثير من العلماء ثمنا باهظا وصل إلى حياتهم أحيانا مثلما حدث للإيطالي جيوردانو برونو الذي قضت الكنيسة الكاثوليكية بحرقه.
لكن المؤلف يحذّر من الخلط بين الحقائق العلمية والخطاب الاجتماعي المقبول من الجميع. ويطالب بضرورة العودة إلى مختلف النظريات المتعاقبة حول عمر الأرض مثلا لفهم تطور المسار العلمي الذي أدّى إلى قبول تقديره بحوالي 4,5 مليارات سنة. ثم إن جميع المعارف العلمية ينبغي وصفها أمام امتحان النقد والتمحيص هكذا سادت في فترة "ما قبل العلم" التي امتدت في أوروبا حتى القرن السابع عشر فكرة مفادها أن المعارف الشائعة كانت ذات مضمون تاريخي "ثابت". لكن أغلبية المقولات العلمية الخاصة بالأرض وعمرها لم تأخذ صيغة دقيقة ونهائية حتى القرن العشرين.
الكتاب : الأرض من الأساطير إلى المعرفة
تأليف: هوبير كريفين
الناشر: كاسّاني باريس 2011
الصفحات: 250 صفحة
القطع: المتوسط
La terre, des mythes au savoir
Hubert Krivine
Cassini - Paris- 2011
250 p.
