يتناول كتاب ( الحركة الفكرية ومراكزها في نيابة دمشق في عصر المماليك البحرية ) لمؤلفه حسام الدين عباس الحزوري النتاج الفكري والعلمي والتاريخي والديني لعلماء ومفكري دمشق، خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن السابع الهجري وحتى نهايات القرن الثامن الهجري، وهي الفترة التي حكم فيها المماليك دمشق .
ويعود اهتمام المؤلف بالعصر المملوكي لأنه يُعد من العصور الزاهية والمشرقة في التاريخ الإسلامي، حيث اتسم هذا العصر بضخامة الإنتاج الفكري وكثرة العلماء، وتنوع إبداعهم في التاريخ والأدب والفلك والعلوم الدينية واللغوية، ناهيك عن كتب الصوفية والتراجم والموسوعات، ولذلك فإن الكتاب يريد إعادة الاعتبار لهذا العصر الذي ظلم كثيراً، ونُعت بغير حق بعصر الانحطاط أو الانحدار، كما يقول المؤلف .
فالكتب التي تناولت هذا العصر ركزت على الحكام والسياسيين والحروب التي دارت في ذلك العصر، وأهملت شعوب هذه المنطقة التي صنعت تاريخها، وأعطت الأولوية لحكام غرباء، في حين كان الأجدر بها هو إعطاء إسهامات الكتاب والعلماء والمفكرين الأولوية.
وذلك لأن إسهامات هؤلاء العلماء هي التي بقيت، بينما ذهب الحكام الغرباء أدراج الرياح .ويدرس المؤلف الحياة الفكرية بدمشق في ذلك العصر من خلال المراكز العلمية والتعليمية، ولا سيما المساجد والمكتبات ومدارس الفقه، بالإضافة إلى دور القرآن والزوايا. وتعود أهمية المساجد إلى أنها كانت مراكز تعليمية بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية في تأدية الشعائر الدينية.
وأهم تلك المساجد كان المسجد الأموي الذي عقدت فيه « حلقات تدريس الطلاب » كما وجد فيه « زوايا لكافة المذاهب الفقهية »، ولا سيما المذهب الحنفي والحنبلي والشافعي والمالكي، أما أهم من درس في المسجد الأموي وأفتى في ذلك العصر، فهناك شهاب الدين أبو القاسم المقدسي والفقيه الشافعي إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الذي توفي في نهاية القرن الثامن الهجري.
وهناك أيضاً مساجد الأمزم وتنكز والسنجقدار والسلحدار ويلبغا وغيرها من المساجد التي أسهمت في الحياة التعليمية في دمشق، على الرغم من أن إسهامها أقتصر على الجانب التعليمي والفقهي البسيط ولم تتحول إلى مدارس وجامعات كبيرة ، كما هو حال جامع الزيتونة في تونس وجامع الأزهر في مصر .
ويبدو أن دور المكتبات أو « الكتاتيب » كان أكبر من المساجد، وإن كان يتداخل معها . والمكتبات في دمشق أثناء العصر المملوكي على نوعين : خاصة « أهلية » وعامة ، وكان يشرف عليها معلمون ، ومقرئون، وحافظون، كانوا قد اتخذوا من التعليم حرفة للتكسب والعيش، وكان الصبي عند انتهائه من مرحلة الكتاتيب بنجاح، يلتحق بحلقة درسيِّة في أحد المساجد، حيث يبدأ بالجلوس إلى الشيوخ المشاهير الذين كانوا يدرسون كتباً عالية المستوى .
كما انتشر في دمشق في ذلك العصر ما يسمى بـ « دور القرآن» و« دور الحديث ». ومن دور القرآن التي اشتهرت آنذاك هنا : دار القرآن السنجارية ، ودار القرآن المعبديَّة، ودار القرآن الأفريدونية . وهي دور تهتم بتحفيظ القرآن غيباً . أما دور الحديث فقد اشتهر منها : دار الحديث الناصرية، ودار الحديث السُّقيقَّية ، ودار الحديث السّكرية، ودار الحديث النفسية. ويلفت انتباهنا المؤلف إلى ظهور النساء المشتغلات بالعلوم الدينية في ذلك العصر، ولا سيما كمدرسات في دور الحديث.
ويذهب المؤلف إلى أن دمشق كانت رائدة في هذا مجال العلوم الطبيعية أثناء العصر المملوكي، ودليله على ذلك وفود عدد كبير من الأطباء لدراسة الطب والتوسع في معارفه من بلدان قريبة وبعيدة إلى دمشق للاحتراف فيه على أيدي أطباء دمشق، الذين عرف منهم عبد الحميد بن عيسى الحشروشاهي، ويحيى بن محمد بن عبدان اللبوءي . حيث اشتهر الأطباء من مختلف الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية .
الكتاب : الحركة الفكرية ومراكزها في نيابة دمشق في عصر المماليك البحرية
تأليف : حسام الدين عباس الحزوري
الناشر : الهيئة العامة
السورية للكتاب دمشق 2011.
الصفحات : 415 صفحة
القطع : الكبير
