ما هي رؤية الأميركيين للطبيعة؟ وكيف تتم ترجمة هذه الرؤية في عالم السينما والتوثيق السينمائي؟ هذان السؤالان يجيب عليهما الكاتب والمنتج والمخرج الأميركي للأفلام الوثائقية رونالد توبياس في كتابه الذي يحمل عنوان: "الأفلام والرؤية الأخلاقية الأميركية للطبيعة". وهو يحدد مجال دراسته في الفترة التي تغطي الأعمال المنجزة منذ تيودور روزفلت وحتى والت ديزني".
إن رونالد توبياس يبدأ البحث عن مسار تطوّر لمواقف الأميركيين حيال الطبيعة. والفكرة الأساسية التي يركز عليها هي أن هذه المواقف تتسم حتى اليوم بكثير من التناقض والتعقيد.
كما أنها ليست بعيدة عن "أحلام الإمبراطورية" التي تدغدغ مخيلة الأميركيين. وإذا كانت تتم دراسة هذه المواقف كما بدت لدى تيودور روزفلت، فإن المؤلف يتقصّى امتداداتها لدى آخرين مثل جيس بوفالو جونس وبول رايني ومارتن جونسون ووالت ديزني وغيرهم.
ويؤكد المؤلف أن كريستوفر كولومبوس عندما وصل إلى أميركا الشمالية، معتقدا آنذاك أنه وصل إلى الهند حمل معه موقفا أوروبيا خاصا حيال الطبيعة. ذلك الموقف أثّر وتأثر على مدى عدة قرون لاحقة بمواقف الشعوب من سكان البلاد الأصليين. ولم يكن تطوّر تلك المواقف بعيدا أيضا عن عوامل أخرى في مقدمتها تطور التكنولوجيات والحروب وتضاؤل مساحة الأراضي القابلة للزراعة.
محصلة ذلك كله كانت وراء "التغيّر المستمر" لموقف الإنسان الأميركي حيال الطبيعة وحيال المحيط الذي يعيش فيه. ومنذ البداية كان للأميركيين علاقة مع محيطهم تتسم بالتناقض تبعا لمصالح المعنيين بها.
وكان تطوّر المنظومة الاقتصادية الأميركية قد ساهم في صعود طبقة من التجّار الطامحين إلى زيادة ثرواتهم والتطلّع إلى ثروات العالم أجمع. المراحل والمنعطفات الأساسية في الرؤية الأميركية الأخلاقية للطبيعة وجدت أصداءها في الأعمال السينمائية الوثائقية وغيرها.
وبهذا المعنى يرى المؤلف أن "تيودور روزفلت" لم يأسر مشاعر الأميركيين بشخصيته القوية وبصياغته للسياسة الخارجية الأميركية فحسب، ولكن بالنظرة التي أكّد عليها فيما يخص "العلاقة مع الطبيعة وآثارها المستقبلية".
ويحدد المؤلف القول ان المسائل الأساسية المتعلقة بتلوث الطبيعة وحماية البيئة غدت في الحقبة الراهنة أحد مواضيع الاهتمام بالنسبة للعاملين في الحقل السينمائي عامة.
هذا خاصة أن التغيّر المناخي يبدو لكثر أنه أحد أكبر التهديدات التي تحيط بكوكبنا. يتم التأكيد في هذا السياق أن إحدى مهمات الفن الكبرى، وخاصة عالم الصورة بكل مشاربها، تتمثل في زرع الاهتمام بهذه القضية لدى الجيل القادم. من هنا أيضا تأتي ضرورة التوجه تحديدا للأطفال.
وينقل المؤلف عن والت ديزني قوله: "عليكم أن تنسوا الكبار، وإذا كنتم تريدون التغيير فعليكم التحدث للأطفال". تتم الإشارة هنا أيضا إلى أن العديد من أفلام الصور المتحركة "الكرتون" التي يقدمها والت ديزني تحمل رسائل بليغة باتجاه ضرورة صياغة رؤية جديدة للطبيعة. وعلى خلفيّة أهمية التوجّه للأطفال تأتي ضخامة "رهان الانترنت" الذي يمثل عالم الأطفال بامتياز.
ومن الرسائل التي "يقرؤها" المؤلف في أعمال العديد من العاملين في حقل الصورة والسينما، يركز على تلك التي يلخصها بالقول إن "الأرض هي بصدد الهلاك بسبب نقص العناية بها". والتأكيد أيضا على أن الأزمة قريبة، لكن السؤال الجوهري يتعلّق بمعرفة مصير البشر الذين يعيشون عليها.
ورسالة أساسية يستخرجها المؤلف من مجمل ما تقوله الصور السينمائية عن الطبيعة هي أن الهدف وراء أغلبية ما نشاهده يتمثل في الوصول إلى لحظة يمكن للبشر أن يستنشقوا فيها الهواء بعمق ويطلقونه بهدوء. والتأكيد أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن نتعلّمها من السينما.
الكتاب: الأفلام والرؤية الأخلاقية الأميركية للطبيعة
تأليف: رونالد توبياس
الناشر: جامعة ميتشيغان 2011
الصفحات: 320 صفحة
القطع : المتوسط
Film and american moral vision of nature
Ronald Tobias
Michigan State University Press- 2011
320 p.
