يتعرض وين ويلكوكس للعلاقات بين فيتنام والغرب من منظور آخر بعيد جدا عن الخوض في الإجابات السياسية والعسكرية التي تبنّاها الفيتناميون بمواجهة القوى الاستعمارية الفرنسية والقوة الإمبريالية التي أرادت إخضاعهم، أي الولايات المتحدة الأميركية. عنوان الكتاب هو: "فيتنام والغرب، مقاربات جديدة".
هذه "المقاربات الجديدة" يتم عرضها في الدراسات التسع التي يحتوي عليها الكتاب وتصبّ بمجملها بالقول: إن علاقات فيتنام والغرب لا تقوم بالضرورة وبشكل كلّي على خلفية المجابهة "الحضارية". ومن هنا يتم تقديم رؤية جديدة تقول: إن الفيتناميين قاموا بنوع من "إعادة صياغة" المفاهيم الغربية ثم إدراجها في السياق الثقافي لمسيرتهم التاريخية والحضارية.
وتعتمد التحليلات المقدّمة خاصة على معلومات أرشيفية في فيتنام والولايات المتحدة وفرنسا. ويتم التأكيد أن "التفاعل الفكري والثقافي" ترك آثاره على مدى عدة أجيال ساهمت في وضع الأسس الأولى للإجابات التي قدمها الفيتناميون لاحقا للحروب التي خاضوها في القرن العشرين.
ينال البعد التاريخي أهمية كبيرة في الدراسات المقدّمة، إذ يتم التأكيد أولا أن فرنسا، القوة الاستعمارية، كانت قد "اكتشفت" فيتنام في القرن السابع عشر عن طريق "المبشرين الدينيين". أولئك المبشرون وصلوا أولا بـ"ثياب التجار"، ذلك من أجل تجنب إجراءات المنع التي كانت تواجه العقائد القادمة من الغرب. ولم تتأخر السلطات الملكية الفرنسية عن محاولة "فتح سفارة" في فيتنام.
ووصل عدد المبشرين الفرنسيين سريعا إلى 60000 مبشّر، ووصل عدد الذين اعتنقوا المسيحية إلى نحو 60000 شخص في عام 1883. كان ذلك بمقام نجاح للبعثات التبشيرية.
وكان النزاع القائم بين مملكتي "تونكين" و"كوشنشين" الفيتناميتين شجّع المتحاربين من الجهتين على إقامة شبكات تبادل مع الخارج للحصول على الأسلحة والذخائر. ومن هنا أيضا توطّدت العلاقات البحرية والتجارية مع القوى الخارجية. وكان وجود المبشّرين الغربيين بمقام "ورقة رابحة" لتعزيز العلاقات مع الخارج. بهذا المعنى ظهر "العمل التبشيري" عنصراً في النزاعات الداخلية أكثر مما يمثل خطر تدخل خارجي.
واعتبارا من القرن الثامن عشر، أولى الفرنسيون اهتماما خاصا لمنطقة الهند الصينية عموما ،من أجل تحقيق هدف مزدوج: عقائدي وتجاري. وتدخلت السلطات الفرنسية مباشرة في النزاع الداخلي الفيتنامي.
لكن وتحت غطاء حجج شتى ،تحت غطاء نصرة الشرعية والدوافع الإنسانية جرى "استقدام الذئب الاستعماري إلى الحظيرة الفيتنامية". وفي عام 1862 فرضت فرنسا إدارتها المباشرة على جنوب البلاد ثم فرضت "حمايتها" على عمومها عام 1883.
وما يتم تأكيده هو أن المشهد الاجتماعي- الثقافي الفيتنامي عرف تحوّلا عميقا على خلفية الإنجازات الاقتصادية والمساهمات العلمية التي ترتبت على أشكال متعددة من التعاون على مختلف الأصعدة التقنية والعلمية والطبية. وتحت تأثير مختلف التحولات نشأت "حالة ثقافية حقيقية".
وتبنّى الفيتناميون عامة فكرة التحديث الثقافي والاقتصادي وضرورة تطوير النشاطات التجارية والصناعية وبالنتيجة تحرير المجتمع. وهذا كله جرت "أقلمته" مع الطموح إلى بناء وعي وطني حقيقي. ويشير العديد من المساهمين إلى أن هوشيه منه ، قائد حركة التحرر الوطني الفيتنامي، كان متأثرا جدا بالقيم الغربية الخاصة بالتحرر والتحديث.
إن مساهمات هذا الكتاب تعيد بشكل عميق التأمّل بمكانة الغرب، كوجود خيالي وواقعي، في الماضي والحاضر للفيتناميين. وما تتم محاولة البرهنة عليه هو أنه كان هناك حوار ثقافي لم ينقطع طيلة ثلاثة قرون من الزمن. وإذا كانت قد تخللته الصدامات العنيفة أحيانا وخاصة خلال الحرب ضد الاستعمار الفرنسي والعدوان الأميركي، فإنه كان دائما حوارا حيا ترك آثاره على المسار الحضاري الفيتنامي بأكمله.
الكتاب: فيتنام الغرب مقاربات جديدة
تأليف: وين ويلكوكس
الناشر: جامعة كورنيل 2010
الصفحات: 210 صفحات
القطع: المتوسط
Vietnam and West
Wynn Wilcox
Cornell University Press- 2010
210 p.
