شاع الحديث كثيرا عن البرجوازية والبرجوازيين وعن أصول هذه الطبقة ومكوناتها. لكن هذا لا يمنع طرح العديد من الأسئلة عن دورها في التاريخ ووزنها الاقتصادي والسياسي. من هنا يأتي الاهتمام بالكتاب الذي قدمته مؤخرا أستاذة تاريخ العصور الوسطى في جامعة باريس الثامنة "سيمون رو" تحت عنوان: "جذور البرجوازية".

توضح المؤلفة أن البرجوازية هي من "مواليد المدينة في العصر الوسيط" الأوروبي. ذلك أن تعبير "بورجوازي" يجد جذره في لفظة "بورج" اللاتينية التي تعني تجمعا سكانيا في بلدة كبيرة يمارس سكانها التجارة والحرف المتنوعة وتقع بالقرب من مدينة كبيرة.

وتحدد المؤلفة القول ان تعبير "برجوازي" ظهر للمرة الأولى في فرنسا بنصٍ أدبي يحمل عنوان: "أغنية رولان". كان ذلك في عام 1080. أما ظهور تعبير "برجوازية" في نص قانوني فيعود إلى عام 1240. تتم الإشارة في هذا السياق أنه كانت هناك "رابطة عضوية" بين "ازدهار البرجوازية" نفسها وازدهار المدن الصغيرة ذات النشاط الحرفي.

وهذا ما تدلل عليه المؤلفة بالقول ان تعبير "البورجوازية" لم يظهر في اللغة الإيطالية، حيث كان "انحطاط المدن الكبرى أقل وضوحا وأقل عمقا وأقل استمرارا مما كان في بقية الغرب". لقد استمر الإيطاليون أكثر من غيرهم باستخدام تعبير "مواطن" للدلالة على سكان المدن.

ما تؤكد عليه المؤلفة وعلى عكس ما يتردد في أغلب الأحيان ويقبله الجميع تقريبا هو أن تعبير "برجوازي" جرى استخدامه بداية "من خارج المدن الكبيرة". كما تؤكد أن أصول التعبير هو أكثر قدما على الصعيد الزمني مما قول به أغلبية الآراء، ذلك أنها تعيد ذكره للمرات الأولى إلى نهاية القرن الحادي عشر، وحيث كان يدل على واقع اجتماعي معين.

هذا التباين في زمن ظهور واقع اجتماعي جديد على خلفية بروز شرائح جديدة من التجار والحرفيين، يؤكد على وجود إيقاع مختلف في بروز البرجوازية وتطورها في المجال الجغرافي الأوروبي طيلة القرنين الحادي عشر والثاني عشر. وتحاول المؤلفة في تحليلاتها أن توضّح عدة وجهات نظر حيال مختلف مظاهر ولادة البرجوازيات الأوروبية "بصيغة الجمع" ومظاهر نموّها في البلدان الأوروبية الرئيسية.

ما يقول الواقع هو أن الجديد على الصعيد الاجتماعي برز من خلال المدينة في مجتمع يتقاسم الأدوار الرئيسية فيه أولئك الذين كانوا يملكون ممثلين بالإقطاعيين القدامى وأولئك الذين كانوا يشتغلون ممثلين بأصحاب الحرف الصاعدة والتجار. وكان لا بد بالتوازي من "اختراع" قاموس جديد وتحليلات جديدة تتماشى مع الواقع الملموس.

وهذا ما تعبّر عنه المؤلفة ببروز ضرورة التكييف بين "وزن الأشياء" و"وزن الكلمات". وتوازى ذلك مع تنامي روح "المنافسة" بين من كان سائدا ومن كان يبحث عن السيادة. وهذا ما تعبّر عنه المؤلفة بـ"وزن مشاعر التعاطف والتباغض".

وتشير المؤلفة أن دور البرجوازيين ومكانتهم في الصيرورة الاجتماعية لا يمكن رصدهما إلا من خلال الآثار الباقية في النصوص أو الأمر نفسه بالنسبة لدور ومكانة النساء. لكن المشكلة التي يتم التأكيد عليها تتمثل في كون أن النصوص المعنية لا تولي البرجوازيين أهمية كبيرة إلا نادرا أو ربما أنها لا تورد سوى وجهات نظر أصحاب السلطة والقرار.

أن تاريخ البرجوازية يتسم بقدر كبير من الاضطراب غالبا، فإنها تؤكد بحزم أيضا أن ذلك التاريخ لم يكن تاريخ "صراع طبقات" قاد إلى الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.

إن البرجوازيين، كما يتم تقديمهم في هذا الكتاب، ساهموا في "فجر الأزمنة الحديثة" بدور حاسم في تطوير المعارف والفنون والفكر. وكانوا بالتالي في عداد "الروّاد" الذين عرفهم عصر النهضة والعصر الحديث لاحقا.

لكنهم لم يمارسوا نشاطاتهم كمجموعة "موحّدة" ولها خصوصياتها، بل شاركوا مع غيرهم من المجموعات التي كانت تطالب بقدر أكبر من الاستقلال الذاتي والحريات. وقد مارسوا نفوذهم من خلال الحركات الفنية والعلمية، "لكن لم تكن هناك برجوازية ولا عقل برجوازي بشكل صرف ومستقل".

 

 

 

 

الكتاب : جذور البرجوازية

تأليف: سيمون رو

الناشر: هاشيت باريس 2011

الصفحات: 224 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

Les racines de la bourgeoisie

Simone Roux

Hachette - Paris- 2011

224 p.