كتب المؤرخ والصحافي السابق والأستاذ الجامعي الفرنسي "جون اورتيز" كثيرا عن الثورات التي شهدتها أميركا اللاتينية خلال القرن العشرين وعلى رأسها كوبا وفنزويلا وبوليفيا. وهو يعود إلى موضوعه المفضل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان: "من بوليفار إلى محرري اليوم: أميركا اللاتينية لا تخضع".

إن المؤلف يقدم "بطله" الشهير "سيمون بوليفار" ،الجنرال ورجل السياسة، الذي يرى فيه الشخصية الأكثر أهمية في أميركا اللاتينية. وكان "بوليفار" قد أصبح بمثابة أسطورة حقيقية بالنسبة لمناضلي بلدان المنطقة من أجل الاستقلال أولا وبناء بلدان تعمّها العدالة الاجتماعية والمساواة ثانيا. وما يؤكده المؤلف هو أن بوليفار كان قبل كل شيء ذا "عبقرية عسكرية وسياسية" كبيرة. كذلك يؤكد جون اوريتز على "البعد الفكري" في شخصية سيمون بوليفار المولود في بداية عقد الثمانينات من القرن الثامن عشر. ومن هنا يأتي تأثره الكبير بفلاسفة عصر التنوير الأوروبي وأفكارهم الداعية للحريّة التي كانت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 تجسيدا لها.

يؤكد المؤلف أن "سيمون بوليفار" هو أول من طرح رؤية شاملة على مستوى بلدان أميركا اللاتينية. بل وصاغ مثل تلك الرؤية في مشروع مجدد لتوحيد بلدان جنوب القارة بنوع من الاتحاد يجمع مختلف الشعوب حول "هوية أميركية لاتينية" فاعلة وموجودة في الواقع وتسمو على مختلف الانتماءات الوطنية المحدودة لمختلف البلدان المعنية. لقد كان توحيد بلدان جنوب القارة "همّه الأكبر"، كما يؤكد المؤلف.وقد حقق بعض حلمه في رئاسته لما عُرف بـ "كولومبيا الكبرى".

الصورة التي يرسمها المؤلف لـ"بوليفار" هو أنه كان "المحرر" الذي ساهم بفعالية في إنهاء الحقبة الاستعمارية وفي صياغة الدساتير وقام بتوقيع العديد من الوثائق الخاصة بإنهاء العبودية التي عانى منها السود في مختلف أرجاء القارة الأميركية التي جرى استقدامهم إليها في إطار تجارة العبيد أو في سياق مشاريع استعمارية للسيطرة على مقادير البلدان المستهدفة. وبالتوازي مع إلغاء العبودية ساهم بوليفار في وضع حد نهائي لمعاملة الهنود، من أبناء البلاد الأصليين، كمجرّد خدم للأسياد القادمين من الخارج.

ومن بين الأسس التي أكّد عليها المشروع التحرري لسيمون بوليفار، يذكر المؤلف حرصه على ضرورة قيام دولة قوية "تحمي الضعفاء" و"تصون الحريات السياسية" و"تعيد توزيع الأراضي" و"تنتزع ملكية مناجم المعادن والثروات الدفينة" من أولئك الذين سطوا عليها.

وكان "بوليفار" أول القادة الأميركيين اللاتينيين الذين حذروا من "النزعة التوسعية" للولايات المتحدة الأميركية وينقل عنه قوله أنها: "تعمل على إشاعة البؤس في أميركا اللاتينية باسم الحرية". ولم ينس بوليفار من وصف أوروبا، القارة القديمة، أنها "صمّاء" و"لا ترى سوى مصالحها".

يؤكّد المؤلف أن أميركا اللاتينية هي اليوم بصدد "استرجاع ذاتها". ذلك بعد أن كان جرى تمزيقها وتجزئتها وتركها بعيدة عن التبصّر بما آلت إليه. ومن هنا جاءت دعوات كثيرة إلى ضرورة "استكمال ما كان قد شرع به بوليفار". وهذا يتطلّب بالضرورة الحصول على استقلال حقيقي وتبنّي مشاريع تنموية حقيقية تؤدي إلى رفع مستوى معيشة البشر المعنيين بها.

مثل هذه المشاريع والخطط يرى المؤلف بعض بوادرها في عدة بلدان من أميركا اللاتينية مثل بوليفيا والاكواتور وفنزويلا.وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس البرازيلي السابق "لولا داسيلفيا " ساهم كثيرا في إعادة دمج كوبا ضمن إطار "جوقة الأمم الأميركية-اللاتينية".

كل هذه الخطط والمشاريع والسير في سبيل التخلّص من الأنظمة الاستبدادية توجهات ظهرت بقوة في أميركا اللاتينية منذ سنوات قليلة وهي تندرج في النهج الذي حدده "المحرر الأول"،أي سيمون بوليفار.ويشرح المؤلف أنه بعد قرنين تقريبا من التخلص من نير الاستعمار الاسباني يبدو أن أميركا اللاتينية تعيش "استقلالها الثاني" عبر التخلص من مختلف الضغوط التي تمارسها عليها بالدرجة الأولى القوة الأميركية في شمال القارة، أي الولايات المتحدة.

والتي تستخدم شبكة شركاتها متعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خاصة، من أجل فرض نموذج اقتصادي لبرالي سائد. ذلك مهما كانت العواقب الوخيمة التي تترتب على ذلك بالنسبة لمجتمعات أميركا اللاتينية.

وفي المحصلة يرى اورتيز أن الرجوع كثيرا إلى بوليفار في القاموس السياسي لبلدان أميركا اللاتينية، منذ بداية هذا القرن، يمثل دلالة واضحة على أن "إرثه لم يمت". هذا على الرغم أن بوليفار نفسه كان "يائسا" في نهاية حياته، كون أحلامه لم تتحقق. وينقل عنه المؤلف قوله قبل وفاته : "خدمة ثورة ما هي حرث في البحر".

 

 

 

 

الكتاب : من بوليفار إلى محرري

اليوم: أميركا اللاتينية لا تخضع

تأليف: جون اورتيز

الناشر: اتلانتيكا

باريس- 2011

الصفحات: 360 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

De Bolivar aux liberators dصaujourdصhui

Jean Ortiz

Atlantica - Paris- 2011

360 p.