جورج اورويل، الروائي البريطاني، هو أحد أشهر الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، ولا يزال أحد أكثرهم ظهورا في القرن الحادي والعشرين. هذا ما أكده باستمرار الكاتب والأستاذ الجامعي الأميركي "جون رودن" في أعماله العديدة التي كرّسها له وهو يؤكد ذلك في كتابه الجديد "اورويل: سمات مجهولة".
يبدأ المؤلف بالقول أن عام 1984 غدا بعيدا عن ذكرياتنا. لكن الأمر نفسه بالنسبة لرواية جورج اورويل الشهيرة التي تحمل عنوان: "1984". تلك الرواية كان صاحبها قد كتبها عام 1948 و"تنبّأ" فيها ما سيكون عليه العالم عام 1948. التاريخان نتجا عامة عن عملية "لعب" بالأرقام ولكن في أفق رؤية المستقبل.
ويؤكد المؤلف أن هذه الرواية لا تزال موضوع نقاشات عامة بما تمتلكه دائما من حضور في الحقبة القائمة. فالأجواء التي ابتدعها "اورويل" من أشكال الرقابة التي تقوم بها الحكومات والفساد والبيروقراطية لا تزال هي من مواضيع الساعة الراهنة.
إن الخصوصية الكبرى التي يؤكد عليها المؤلف بالنسبة لجورج اورويل هو أن أعماله الأدبية كلها، وخاصة روايتيه الشهيرتين "1984" و"مزرعة الحيوانات" تجتاح المخيلة الثقافية في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين، وهي مرشحة للاستمرار في "اجتياحها"، بينما أن الأغلبية الساحقة من أبناء جيله الأدبي قد "لفّهم النسيان منذ أمد طويل".
وكان المؤلف جعل من محاولة سبر أغوار الأسباب الكامنة وراء تمتع اورويل بهذا الحضور المستمر موضوع اهتمامه "العلمي" الرئيسي. من هنا بالتحديد أصبح جون رودن "سلطة" فيما يتعلق بعالم اورويل، الإنسان والمبدع، و"الإيقونة الثقافية"، كما يقول.
يدرس المؤلف تأثير اورويل على المبدعين الألمان. ويركز بحثه بالتحديد على تجلّيات رواية اورويل "1984" لدى الكتّاب الذين عاشوا في ألمانيا الديمقراطية، الشيوعية سابقا، أو "أولئك الذين كانوا يعيشون خلف الجدار"، كما جاء في عنوان أحد الفصول.
يدرس المؤلف علاقة اورويل مع الأدب والأدباء. ويولي خاصة الاهتمام لدراسة مجموعة من "الأساطير" التي أحاطت وكبرت حول حياة الكاتب البريطاني الشهير. ويتحدث ضمن هذا الإطار عن "اللقاء نصف الأسطوري بين اورويل والروائي الأميركي ارنست همنغواي في شهر مارس-آذار من عام 1945، أي في باريس المحرّرة من الاحتلال النازي. وتتم في هذا القسم أيضا دراسة "الأسلوب" الذي كتب فيه اورويل أعماله.
إن المؤلف يقدم اورويل من موقع "الشاهد على عصره". ولكن شاهدا غاص إلى أبعد من السطح بحيث ان روايته "1984" التي يركّز عليها المؤلف كثيرا في هذا العمل، رسمت صورة للأحداث اللاحقة في العالم، بل .
وكان لها تأثيرها على أحداثه. وكان اخترع فيها مفهوم "الأخ الأكبر" الذي جاء في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي برزت فيه الولايات المتحدة الأميركية ومارست دورا "رقابيا" وحيث كان اورويل قد أدخله من جهة في القاموس السائد لنقد التقنيات الحديثة للرقابة. هذا خاصة أنه ما قد شاع استخدام صفة "الأخ الأكبر" كمرجعية "اورويلية" للعالم الشمولي- التوتاليتاري.
الانتماء العائلي "الامبريالي" لأورويل ومسار حياته الشخصية، وعمله اللاحق في إحدى مكتبات لندن، أمور مثلّث النقاط الرئيسية في مسيرته قبل أن يتحوّل إلى الكتابة وإلى "اعتناق" الأفكار الثورية بعد "لقائه" مع عمال المناجم في شمال بريطانيا. إن محصلة ذلك المسار كله، بالإضافة إلى أحداث الحرب العالمية الثانية في أوروبا ووفاة زوجته بمرض السرطان، أمور شكلت السياق الذي شرع فيه بكتابة روايته "1984".
هكذا كانت محصلة مجموعة من الأحداث الكبرى قد صاغت رؤيته لمستقبل بدا محكوما بإرادة السيطرة. المسار الذي "تخيّله" اورويل لم يكذّبه الواقع كثيرا. وكان ذلك "التفرّد" هو ما سعى الآخرون لولوج طريقه. لكنه وحده عرف كيف يكون الكاتب الأكثر نفوذا في القرن العشرين. وكاتب ظل تأثيره مستمرا في عالم تغيّر كثيرا بالقياس إلى العالم الذي عاش فيه.
من بلير إلى اورويل
كان اورويل قد "ارتبط" من جهة عائلته بأجواء ذات علاقة بـ"الإمبريالية البريطانية". فوالده كان موظفا كبيرا في إدارة شؤون المستعمرات الهندية. وكان جده لأبيه مالكا للعبيد في جامايكا "وجده لأمه "تاجرا كبيرا في برمانيا". وكان جورج اورويل نفسه اختار، عندما كان اسمه لا يزال "اريك بلير" اسمه الحقيقي، أن يخدم في جهاز الشرطة الإمبريالية في برمانيا في بدايات العشرينات من القرن الفائت.
الكتاب : اورويل: سمات مجهولة
تأليف: جون رودن
الناشر: جامعة تكساس 2011
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
The unexamined Orwell
John Rodden
University of Texas Press- 2011
368 p.
