يقدّم الكاتب والروائي الفرنسي جيلبير سينوي في كتابه : (12 امرأة من الشرق غيّرن وجه التاريخ) نوعا من السيرة المقتضية لحياة 12 امرأة كان لهن دور مهم في التاريخ. ما يجمع بينهن هو أنهن من الشرق بالولادة أو بالتبنّي.
وما يؤكده المؤلف هو أن هذه النساء قد كتبن أسماءهن في التاريخ إلى جانب الكثير من الرجال. وفي عدادهن يذكر المؤلف السيدة أم كلثوم أو "الهرم الرابع في مصر"، إلى جانب الأهرامات الثلاثة. و"حتشبثوت"، الملكة الوحيدة بين الفراعنة وزنوبيا، ملكة تدمر، و"هدى شعراوي" و"كليوباترا" و"ليلى خالد" و"الكاهنة" و"ملكة سبأ" و"تيودورا"، و"السيدة عائشة".
القاسم المشترك بين هذه النساء اللواتي "غيّرن التاريخ" هو أنهن عرفن كيف يجدن الطريق إلى المجد في مجتمعات يسيطر عليها الرجال بالتعريف. هذا مهما كان الوسط الاجتماعي الذي وُلدت فيه. أكان فقيرا، كما كان الأمر بالنسبة للسيدة أم كلثوم، أو ملكيا مثل حالة "حتشبثوت" سليلة الفراعنة.
من الشائع أن يردد كثر قولا مفاده أنه "لو كان أنف كليوباترا قصيرا أكثر بقليل ربما كان وجه العالم قد تغير". وجلبير سينوي، مؤلف هذا الكتاب، يجعل من ملكة مصر هذه إحدى النساء الشرقيات اللواتي غيرن التاريخ. ويقول: "إن كليوباترا قد غيرت بالفعل قيصر. لكن عبر دفعه للمطالبة بإرث الاسكندر الأكبر وعندما كشفت له المكانة السامية للسلطة المطلقة. لقد جعلته أكبر من أن تستوعب الجمهورية قدره".
ويشير المؤلف في البداية أن اختياره للنساء المعنيات دون غيرهن يعود بدرجة كبيرة إلى واقع أنه ليس هناك نساء كثيرات شهيرات بلغن درجة عالية من المجد في تاريخ الشرق الذي يصفه أنه يعطي الأولوية للرجال مثل مختلف المجتمعات الذكورية" في العالم.
من هنا لم يكن الخيار مفتوحا إلى درجة كبيرة، بل محدودا بالواقع. الملفت للانتباه أن المرأة الوحيدة من بين النساء اللواتي يجدن مكانهن في هذا العمل، والتي لا تزال على قيد الحياة هي السيدة "ليلى خالد"، الفلسطينية التي نالت شهرة عالمية كبيرة في إطار العمل الفدائي. ما يؤكده المؤلف هو أنه لم يقابلها أبدا ولكنه يكنّ لها الاحترام الكبير من موقعها كامرأة كرّست حياتها لقضيّة والتي حافظت دائما، رغم دقة الظروف والشروط التي مارست فيها نضالها، على عدم إراقة دماء الأبرياء. هذا ما يكتبه عنها في فصل يحمل عنوان:"اسمي، ليلى خالد".
المرأة التي يتوقف المؤلف طويلا أمام ما حققته من مجد ودخلت التاريخ من باب الغناء وعرفت كيف تحرّك مشاعر الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، و"نالت نجاحا يفوق كثيرا النجاح الذي عرفته فرقة البيتلز البريطانية"، كما نقرأ هي السيدة أم كلثوم الذي يكرّس لها فصلا تحت عنوان "هرم مصر الرابع".
لكن ماذا بقي من أم كلثوم؟ ما يؤكده جيلبير سينوي هو أنها ما زالت ماثلة في قلوب وعقول المصريين والعرب عامة بثوبها الأسود والأبيض ونظارتها السوداء الشمسية. إنها لا تزال حتى اليوم "نجمة الشرق" رغم أنها فارقت الدنيا عام 1975. في ذلك اليوم سار مئات الآلاف من المصريين لوداعها إلى مثواها الأخير في شوارع القاهرة. لقد كانت "ملكة الطرب الشرقي"، وصوتها "اخترق الجدران من قبل أن يرتفع نحو السماء".
تاريخ ولادة أم كلثوم ليس معروفا بدقّة ولكن سجلاّت محافظة الدقهلية تحدده بـ4 مايو 1904. لكن هناك شكوك كثيرة حول مثل هذه الدقة في تحديد التاريخ، ذلك أنه كان من النادر آنذاك أن يتم فعل ذلك في الأوساط الريفية الفقيرة مثل تلك التي الغناء هو والدها الذي كان ينشد المقطوعات الدينية في الحفلات والمآتم وغيرها من المناسبات لزيادة "دخل" الأسرة الفقيرة قليلا. وكانت أم كلثوم قد بدأت صعود سلّم الشهرة والمجد في مطلع سنوات الثلاثينات المنصرمة حيث قامت عام 1932 بأول "جولة شرقية" لها لكن من دمشق وبغداد وبيروت.
وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من أكثر المعجبين بصوتها، ولكن أيضا بـ"وطنيتها" التي قدّمت عليها براهين عديدة. ولم تقتصر شهرة أم كلثوم على مصر والعالم العربي، بل تعدّت ذلك إلى العالم كله. وكان الجنرال شارل ديغول يدعوها بـ"السيدة"، أما ماريا كالاس، أهم فنانات أوروبا في القرن العشرين، فقد وصفتها أنها "صاحبة الصوت الذي لا مثيل له".
القمة النسائية الأخرى في تاريخ الشرق هي "زنوبيا" ملكة تدمر التي كانت قد عرفت كيف تجعل من مدينتها السورية تدمر مدينة إمبراطورية وموطنا ثقافيا بامتياز والبلد الأكثر بريقا في الشرق الأوسط آنذاك. ولم تتردد عن مواجهة أباطرة روما وتحتل مصر وجزءا كبيرا من آسيا الوسطى. ذلك قبل أن تهزمها جيوش الإمبراطور اورليان الذي قادها أسيرة إلى روما.
كذلك أنتجت رمال مصر "فرعونة" مصر حتشبثوت التي يقدّم جيلبير سينوي سيرة حياتها كـ"فترة مستقطعة" في التاريخ "الرجالي" لمصر القديمة. ويكرّس عددا من صفحات الكتاب للحديث عن المعارك التي خاضتها "هدى شعراوي" في القرن الماضي من أجل الدفاع عن حقوق المرأة.
الكتاب: 12 امرأة من الشرق غيّرن التاريخ
تأليف: جيلبير سينوي
الناشر: بجماليون - باريس - 2011
الصفحات: 342 صفحة
القطع: المتوسط
12femmes dصOrient qui ont changé lصhistoire
Gilbert Sinoué
Pygmalion - Paris- 2011
342
