يبين كتاب (العواصم الإسلامية ) بين حلب وطقشند ؛ لمؤلفه خالد بن حمد المالك ، أنّه وبعد الاحتفاء بمكة المكرمة كأوّل عاصمة للثقافة الإسلامية تقديراً لمكانة هذه المدينة المقدسة ، اختيرت حلب وأصفهان وتمبكتو عواصم للثقافة الإسلامية لعــام 2006 م. وفي عام 2007 اختيرت فاس وطرابلس وطشقند وداكار عواصم للثقافة الإسلامية.

عمارة حلب تغطي سائر العصور الإسلامية ، منذ الخلافة الراشدية مروراً بالعصر الأموي ثم العصر العباسي ، كما أن معالمها التاريخية تشمل كلَّ مراحل التاريخ الإسلامي ، ولكل فترة فيها شواهد معمارية خاصة بها ، وقد وظفت هذه المعالم في خدمة الميادين الدينية وجمالها على امتداد التاريخ ، بما في ذلك كونها نقطة تفاعل بين عدد من الحضارات القديمة، ومحطة استراتيجية على طريق الحرير ، وبوابة للتبادل الاقتصادي والتجاري بين الشرق والغرب والشمال والجنوب .

ورغم الكوارث والأزمات والغزوات والحضارة والفتوحات والاحتلال والتدمير والإحراق والمجازر التي تعرضت لها على يد تيمورلنك وهولاكو وغيرهما ، فقد ظلت المدينة صورة أمينة عن مهارة أهل حلب ومواهبهم وتمكنهم وإبداعهم في مجال الفن العمراني. وصدق من قال : إنّ حلب خزانة للعلوم وسلّة الموسيقا التي جمع ذوّاقوها كل نفيس ، فحافظوا عليه ، وكلّ جميل فأتقنوه وأضافوا إليه ، إنها عاصمة الموسيقا الشرقية من خلال الأزجال والموشحات الأندلسية .

ومن المؤكد أن التركيبة السكنية لمدينة حلب التي تضم قوميات عديدة ، ومن مختلف الديانات والمذاهب ، فضلاً عن كثرة روّادها وزائريها ، هو ما جعلها بهذه الأهمية وأعطاها هذا البعد التاريخي والحضاري .

ولا يمكن أن نتحدث عن المخزون التراثي والفني الذي تتميّز به مدينة حلب دون أن نتوقف عند بلاط سيف الدولة الحمداني الذي أحسن ضيافة وفادة كثير من الأعلام والمشاهير في مختلف مجالات المعرفة ، وحين اختار مدينة حلب لتكون مقراً وعاصمة له .

فقد كان ذلك إيذاناً بازدهارها ورقيها واستعادة أمجادها في حقول العلم والطب والأدب والفن ؛ ومن يقرأ تاريخ هذه المدينة يجد أن ما فاته الإطلاع عليه من معالمها سوف يجده موثقاً وبكل التفاصيل من خلال أعداد كبيرة من الكتب والدواوين الشعرية القديمة إلى جانب ما تمّ تأليفه من كتب جديدة .

 

مدن وتاريخ : طشقند أنموذجاً

دخل الإسلام إلى أوزبكستان في عام 30 هـ وفي عهد الأمويين فتحت مدينة بيكند و بخارى ، بعد حصارها في عام 55 هـ وبني فيها أوّل مسجد ، وقد استولت روسيا عليها في عام 1920 م/1341 هـ بعد دفاع مستميت من أهلها ، وحصلت على استقلالها عام 1991 م .

تتمتع أوزبكستان التي يبلغ عدد سكانها قرابة 25 مليون نسمة بمستوى متقدّم من التعليم ، حيث تكثر المدارس المتخصصة في الرياضيات والأبحاث النووية ، إضافة إلى 230 معهداً و30 وحدة صناعية يعمل بها أكثر من ألف عامل وباحث .

إنّ عمر مدينة طشقند مع تدشينها عاصمة للثقافة الإسلامية ، ربّما بلغ ما يزيد على ألفي سنة ، وقد أصبحت منذ أن فتحها القائد قتيبة بن مسلم مدينة إسلامية ، حيث المساجد والمدارس التاريخية والمراكز الدينية والمكتبات التي تضم ما يزيد على ستين ألف مخطوطة ، بينها مصحف الخليفة عثمان بن عفان .

إنّ مدينة طشقند تحتضن خمسة عشر متحفاً ، ومئتي دار عرض ، وأكثر من ثلاثمائة مسرح ، وما يزيد على ثلاثة آلاف مكتبة عامة ومتخصصة ومنظومة تعليم عالي ، وأن واحدة من جامعتها حصلت على موقع ضَمِنَ لها أن تكون من بين أهم خمس مئة جامعة في العالم .

وليس بوسع المرء أن يكتب عن طشقند وغيرها من المدن الأوزبكيّة مثل سمرقند وبخارى وخيوة وقرمذ دون أن يتذكر الذين كتبوا عنها واكتشفوا مخزونها من هذا التاريخ ، وهم الأئمة البخاري والزمخشري وابن سينا والفارابي وأبي الريحان البيروني وغيرهم .

شهدت طشقند في عام 2006 م افتتاح معرض المخطوطات الإسلامية والثقافية النادرة التي تحتفظ بها ، معرض مكّن المهتمين بالتراث والدارسين من الوقوف على الكنوز الهائلة التي تكتّظ بها عاصمة الثقافة الإسلامية ، وبخاصة المعنيون بالمخطوطات الإسلامية والعربية التي بينها كتب التفسير والفقه والمنطق والتاريخ والطب والأدب وعلوم اللغة ، إضافة إلى القرآن الكريم الذي كتب بالخط الكوفي القديم في القرن السابع الميلادي .

 

 

 

الكتاب : العواصم الإسلامية بين حلب وطشقند

تأليف: خالد بن حمد المالك ذ 2010

الناشر : بيسان بيروت لبنان

عدد الصفحات: 128 صفحة

القطع: المتوسط