يجمع كتاب ( الفيلم الوثائقي : قضايا واشكالات ) لمجموعة من المؤلفين بين دفتيه مجموعة من الابحاث التي نشرت خلال عام 2009 بالمجلة الالكترونية لقناة الجزيرة الوثائقية. قدم من خلالها نخبة من النقاد والمنظرين دراسات، وشهادات نقدية استرجعوا عبرها مختلف النظريات ، التي تناولت الفيلم التسجيلي الوثائقي في القرن الماضي .
الكتاب كما يقول حسن مرزوقي في المقدمة ليس تعليميا، يهدف الى تعليم القارئ كيفية صنع الفيلم الوثائقي، ولا هو استعراض للمعلومات والافكار. وانما هو كتاب ذو بعد اشكالي يتناول الوثائقي كحالة ابداعية، لها تاريخها ومدارسها ونظرياتها. يطرح حول هذه الحالة الابداعية الاسئلة التي تليق بها معرفيا ونقديا بعيدا عن التهويمات الايديولوجية والاسقاطات الفكرية .
الجامع بين دراسات الكتاب اتصافها برؤية نقدية، تحليلية وعلمية. تعبر عن مختلف الانتماءات والتجارب الفنية لاصحابها. فمنهم من له رصيد في اخراج الوثائقي كقيس الزبيدي أونعيم بن رحومة أوباسم قهار الذي خاض تجربة الفيلم الوثائقي والروائي. ومن بين المساهمين في ارثاء منظومة نقدية سينمائية تبرز اسماء متخصصة في النقد السينمائي كأمير العمري وأحمد بو غابة وناصر ونوس.الى آخرين آتين من مجال التنظير الاكاديمي كعدنان مدنات أو سيد سعيد وغادة جبارة، وباحثين اختصاصيين في اللسانيات والسيمولوجيا وغيرهم كالباحث أحمد القاسمي ورضا بن صالح وأحمد الصوصي وعاصم الجردات وغيرهم ...
يطرح المخرج والباحث السينمائي سيد سعيد مجموعة من الافتراضات في محاولة لازالة اللبس عن هذا المصطلح الذي يحدث عنه بعض الارتباك. وهو يرى في هذا الشأن أن رواد السينما التسجيلية العرب عنوا بالفيلم الوثائقي هذه النوعية من السينما التي تتوقف عند حدود تسجيل الوقائع كما هي دون تلاعب . فيما الفيلم التخيلي أو الروائي ، يعتمد على واقع مصنوع لا واقع حقيقي.
ويتابع سعيد في مقاله التوسع في ابراز ماهية الفيلم الوثائقي وملابساته الفنية وما يحيق به ، بدءا من مادة الفيلم نفسها الى تقنيات التصوير والاخراج ... فالوثيقة المراد "سينمأتها"تعتمد على رؤية ذاتية لصاحب الفيلم، يعمل على تحليلها وتفسيرها لتكشف عن مغزى ما. هكذا يصبح تدخل الفنان أمرا ملزما من أجل تنظيم المادة المصورة الخام ، واثرائها باسلوب فني يعطي المشهدية السينمائية أبعادا جديدة.
يخرج كاتب المقال في تقصيه لموضوعية الفيلم الوثائقي ومدى تطابق الوثيقة مادة الفيلم مع الواقع والحقيقة الى استنتاج جازم، يقول ان الكاميرا ل اتستطيع وحدها النفاذ الى الحقيقة ...ان الكاميرا تلامس السطح الخارجي لما يتمثل أمامها. ويعطي حول ذلك عينة من الامثلة ليدعم رؤيته تلك .
و منها مثلا مئات الصور للزعماء العرب وهم يظهرون أمام الكاميرا يتعانقون ، ويتبادلون القبلات ويبتسمون بمودة اثر اجتماعات القمم. في الوقت الذي يدرك فيه المشاهد الى أن هذه الصور تكذبها التسريبات الصحفية التى تشير الى عمق الخلاف بينهم، والى حالات الاحتقان والغضب المسيطرة . انها صور كاذبة دون شك...ولكن ماذا بعد خمسين عاما على سبيل المثال؟ يتساءل الكاتب هل تعتبر هذه الصور وثائق تمثل الحقائق؟ أيستطيع المشاهد أن يقف على ما تخفيه هذه الصور في الحقيقة؟ ستنطلي عليه تلك الابتسامات المتكلفة ويصدق النوايا التي تظهرها؟
تأتي مواضيع الكتاب"الفيلم الوثائقي قضايا واشكالات على كم من التعريفات والتنظيرات التي تناولت الفيلم الوثائقي استنادا الى اراء العديدين ممن كتبوا في هذا الشأن وكانت لهم رؤيتهم الخاصة من مفكرين وفلاسفة ونقاد غربيين وعرب.
والى ذلك فهي لاتبخل في تقديمها الى القارئ البدايات الاساسية لنشأة السينما . فيحضر المؤسسون الاوائل من مخرجين ومصورين وكتاب سيناريو... و قيمة الكتاب ليست في احتوائه على غنى معرفي وفكري وفني وحسب. انما في اعتباره مرجعا يمكن العودة اليه للوقوف على عناوين عديدة من الاشرطة التسجيلية السينمائية التوثيقية مع ثبت باسماء المنفذين على اختلاف اهتماماتهم الفنية. واستعراض محتواها بالشكل الذي عكف عليه المشاركون من خلال مساهماتهم
في اعداد الكتاب. هكذا قد يتمكن القارئ من التماس موضوعات تتنوع عناوينها من السياسي الى الفني الى الفكري الى الواقعي فيقف على تحولات وصراعات وفضائح لايزال أثر منها يتردد كأنه البارحة ، ولما يفقد بريق وهجه .
الكتاب: الفيلم الوثائقي: قضايا واشكالات
تأليف: مجموعة من الباحثين
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات - الدار العربية للعلوم 2010
عدد الصفحات:269 صفحة
