لم يعد الهنود الأميركيون، كما تطلق التسمية على أبناء البلاد الأصليين قبل اكتشاف كريستوف كولومبو وبحارته للعالم، سوى مجموعة هامشية في المجتمع الأميركي. لكن هذا لا يلغي واقع أنهم قد خلّفوا تراثا نظريا هاما، كما يشهد على ذلك العمل الذي يقدمه دافيد مارتينيز، أستاذ الدراسات الهندية في جامعة اريزونا الأميركية، تحت عنوان: "التقاليد الفكرية الهندية الأميركية".
ويوزّع دافيد مارتينيز مساهمات الكتاب بين ثلاثة فترات "حاسمة"، كما يسميها، في تاريخ الهنود الأميركيين. هذا مع التركيز على عدة مواضيع ومحاور هامة تسمح للقارئ أن يفهم بصورة أفضل الأبعاد الحقيقية لما وصلت إليه التقاليد الفكرية الهندية الأميركية بكل تنوعاتها وتعبيراتها.
كذلك التعرف على "التراث المشترك" الذي يربط مختلف الإنتاج الهندي الأميركي. وهذا يمثل بحد ذاته عملية توثيق هامة لثقافة أبناء أميركا الأصليين، قبل سيادة العرق الأبيض واستقدام عشرات الآلاف من الأفارقة السود للعمل في "العالم الجديد".
أهمية المساهمات المقدّمة تتمثل أيضا في كون أنها تغطي فترة تمتد منذ الأيام الأولى لـ"الجمهورية الأميركية" وحتى سنوات السبعينات من القرن الماضي، العشرين. وبهذا المعنى أيضا تغطي الفترة التي عرفت "نزاعات" حقيقية على الأرض حول محور أساسي يحدده مارتينيز بـ"البحث في مكانة الشعوب الأصلية الأميركية" خلال المسيرة التي تأكّدت فيها تدريجيا "سيادة البيض" الوافدين أساسا من القارّة الأوروبية.
ومن المواضيع الأساسية التي تتعرّض لها النصوص- المختارات المقدّمة، هناك آثار "الصدمة" التي أحدثها لقاء الأوروبيين مع أبناء أميركا الأصليين من الهنود. ويتم التأكيد في هذا السياق على أن تحولات كبيرة عرفتها الشعوب الهندية بـ"قبائلها" المختلفة ابتداء من ممارسة نشاطات "تجارية" جديدة مثل "بيع الفراء" للحصول على المنتجات الأوروبية. ويتم اعتبار ذلك التحوّل بمثابة بداية مسار "التخلّي" عن بعض "الكفاءات القديمة" والدخول في منافسات عنيفة بين الهنود أنفسهم حتى أوائل القرن الثامن عشر.
وما تؤكد عليه النصوص المقدّمة أيضا هو أن الهنود الأميركيين شاركوا أثناء حرب الاستقلال الأميركي في صفوف الثائرين ضد البريطانيين، المستعمرين، وقد تمثّلت مشاركتهم خاصة بتقديم الغذاء لجيش "جورج واشنطن" الذي عانى في فترة من خوضه حرب الاستقلال من نقص كبير في التموين. لكن ذلك لم يمنع واقع أن بعض القبائل الهندية ظلّت على هامش حرب الاستقلال.
وبسبب مجموع الحركات والتبديلات التي عرفتها الحياة الاقتصادية الأميركية مع وصول الوافدين الأوروبيين وسيطرتهم على تقاليد الأمور تدريجيا، حافظ الهنود الأميركيون على بعض تقاليدهم بينما "اضمحلّت" ثم "ذابت" بجزء كبير منها.
ومن بين العادات التي جرى الاحتفاظ بها، كما تشير بعض الكتابات، الحرص على سكن عدّة أسر في مسكن واحد مؤلف من عدة حجرات. هذا مع التأكيد على مكانة "الأم" في العديد من القبائل الهندية الأميركية.
ومن النصوص المختارة التي يحتويها هذا الكتاب نصّ لذلك الذي عُرف عنه أنه أول هندي أميركي كتب باللغة الإنكليزية. المقصود هو "سامسون اوكوم" الذي عاش في القرن الثامن عشر (1723-1792) وتعود أصوله إلى قبيلة "موهيغان" التي كانت تعيش بالقرب من "لندن الجديدة" في "كونيكتوت".
وكان قد أرسى أسس استخدام البرامج التربوية كوسيلة أساسية للمحافظة على العادات التقليدية. وطالب بضرورة جمع الأموال من أجل دعم المبادرات التربوية، ذلك على أساس أن "التعلّم" يشكل مفتاحا للازدهار الاقتصادي المستمر.
وشخصية أخرى تجد مكانها بين أصحاب النصوص المختارة في هذا الكتاب. وهو "جون روس" الذي كان يُعرف أيضا باسم "غوي غوي" الذي يدل على نوع نادر من الطيور المهاجرة الأسطورية. وقد وُلد في نهاية القرن الثامن عشر وأمضى أغلب سنوات حياته في القرن التاسع عشر. وقد كان أحد الشخصيات المعروفة في أميركا كلها حيث كان قريبا من الرئيس اندرو جونسون.
وعبر الكتابات المقدّمة عامة يتمّ إبراز مجموعة من النصوص- الوثائق التي تلقي الضوء على التاريخ الفكري للشعوب الأصلية في أميركا الشمالية، أي ما يتناظر اليوم مع الولايات المتحدة الأميركية وكندا أيضا. كذلك تُظهر النصوص مدى ثراء وعمق التراث الفكري لتلك الشعوب التي تستحق بكل جدارة إعادة الاعتبار لها كأحد المكونات الأساسية للمجتمع الأميركي الحديث.
هذا بعيدا عن الصورة الشائعة عنها بأنها ليست أكثر من شعوب بدائية. وبهذا المعنى يشكل الكتاب مساهمة استثنائية في إظهار وجوه كانت غائبة أو مغيّبة إلى حد كبير، عن المشهد الثقافي الأميركي ـ الهندي.
الكتاب : التقاليد الفكرية الأميركية الهندية
تأليف: دافيد مارتينيز الناشر: جامعة كورنيل - 2010
الصفحات: 424 صفحة
القطع: المتوسط
The american indian intellectual tradition
David Martinez
Cornell University Press- 2010
