كيف يحلل علماء الاجتماع الأميركيون مجتمعهم؟ الإجابة على هذا السؤال يقدمها الباحثان الاجتماعيان الفرنسيان "نيكولا هيربين" و"نيكولا جوناس" في كتاب يحمل عنوان: "علم الاجتماع الأميركي: أشكال الجدل وأشكال التجديد" ويتوقف المؤلفان عند "لحظة التأمل" التي قام بها علماء الاجتماع الأميركيون من أجل "تقييم" عملهم في المسار التاريخي الأميركي.
وفتحهم النقاش و"الجدل" حول تحديد مدى "علمية" هذا المشرب من البحث و"مفاهيمه" وآليات عمله وتكوين "شبكاته" وعلاقاته مع دوائر القرار السياسي والمجموعات الاقتصادية الكبرى. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن علم الاجتماع الأميركي ابتعد في أحيان كثيرة عن "مهمته الأساسية" المتمثّلة في محاولة "فهم المجتمع الأميركي".
ما يتم تأكيده في تحليلات هذا الكتاب هو أن ميدان البحث في علم الاجتماع الأميركي عرف عدة مدارس وتيارات. هذا إلى جانب تميّزه بـ"خصوصية" كبيرة تتمثل في اهتمامه بالدرجة الأولى بدراسة المجتمعات "المدينية" مجتمعات المدن-، وكذلك تطوره تبعاً لتطور المجتمع الأميركي نفسه والتبدّيلات الكبرى التي عرفها.
تتم الإشارة في هذا السياق أن علم الاجتماع الأميركي، وبسبب خصوصيات المجتمع الأميركي ومكوّناته التي تشكل الهجرة أحد أسسها، لم يطرح أبداً في أية فترة من فترات تطوره "إشكاليات موحّدة". هذا على خلاف علوم الطبيعة والعلوم الاقتصادية.
وعدم طرح "إشكاليات موحدة" وجد ترجمته على صعيد علم الاجتماع بنوع من "تبعثر المعرفة". هذا التبعثر أدّى بدوره إلى عدم طرح صفة "العلمية" ذات الطابع الكلّي. ثم إن وصول موجات متتالية من المهاجرين وواقع "التمييز العنصري" حيال عدد من مكوّنات المجتمع الأميركي أدّى إلى تنوّع المقاربات النظرية في علم الاجتماع الأميركي.
ومن الخصوصيات التي يتم التأكيد عليها عامة في الدراسات الاجتماعية الأميركية بمختلف توجهاتها ومدارسها هناك التمييز حيال الأميركيين الذين ينحدرون من العبيد الذين كان قد جرى استقدامهم من القارّة الإفريقية في إطار ما عُرف بـ"تجارة العبيد" منذ القرن السادس عشر.
والخصوصيات الأخرى التي يتم التأكيد عليها النسبة الكبرى للجنح التي يرتكبها الشباب والسلطة الضعيفة للأسرة فيما يخص تربية الأطفال والحيوية الكبرى التي يتمتع فيها الانتماء العقائدي، الديني وتردد السلطة الفيدرالية فيما يخص تنظيم سوق العمل.
يشار بأشكال مختلفة إلى أن علم الاجتماع الأميركي عرف تطورات مهمة خلال مساره عبر الموقف من الذين ينحدرون من العبيد. مثل ذلك التطور توازى مع تبدّل في القاموس المستخدم. إن "العبيد" الأوائل، كما كانت تُطلق التسمية عليهم، أصبحوا "السود"، حسب التعبير الشائع، قبل أن يصبحوا "الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية".
بالتوازي جرى تبدّل أيضاً في المفاهيم المستخدمة. فبعد الحديث عن "العلاقات الاجتماعية" ساد مفهوم "النزاعات الاجتماعية العرقية" والتأكيد على أن خلفيتها المجتمعية هي مجموعة من "الأحكام المسبقة" ذات "المضمون العنصري". ومن النقاط الأساسية التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب هو أن علم الاجتماع الأميركي عانى مما تتم تسميته بـ"أزمة الهوية".
ذلك بعد الاضطرابات الاجتماعية التي عرفها بعد عام 1968، وبسبب الموقف من "حرب فيتنام". مثل تلك الأجواء خلفت توتراً بين علماء الاجتماع الأميركيين. هؤلاء انقسموا حيال الموقف من حرب فيتنام حيث عارضت أغلبية منهم تلك الحرب. لكن ثلثي أعضاء "الجمعية الأميركية لعلم الاجتماع" كانوا ضد اتخاذ "موقف رسمي".
"أزمة الهوية" التي يتم الحديث عنها وجدت صداها، كما ترى التحليلات المقدمة في نهاية عقد الستينات من القرن الماضي، العشرين، في "تناقص" عدد المسجلين في كليات علم الاجتماع بالجامعات. وجرت نقاشات مستفيضة عن مسألة "إغلاق" بعض تلك الكليات. وتشير إحصائيات مقدّمة أن أقل من 15 بالمائة من المسجلين لدراسة الدكتوراه في الجامعات الأميركية في فترة نهاية الستينات كانوا من السود. وكانت نسبة 12 بالمائة منهم من النساء.
وشكّل انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة عام 1980 نقطة انعطاف في اتجاه تحسين وضع الدراسات في مجال الاجتماع وأصبحت الجامعات تخرج حوالي 600 من حملة شهادة الدكتوراه. لكن "أغلبيتهم" كانوا من الأجانب الذين كانت نسبة كبيرة منهم يعودون إلى بلدانهم.
في المحصلة، يتم التأكيد أن عام 1968 شكل "منعطفاً" بالنسبة لعلم الاجتماع الأميركي بالقياس إلى الفترة السابقة ذلك أن تغيّراً جوهرياً قد جرى فيما يتعلق بـ"حدود علم الاجتماع"، خاصة تداخله "مع المشارب العلمية الأخرى". وبرز ذلك من خلال إدخال "العلم السياسي" و"علم الاتصال" و"دراسات الثقافة الشعبية" في اهتمام باحثي علم الاجتماع.
الكتاب: علم الاجتماع الأميركي
تأليف: نيكولا هيربين،نيكولا جوناس
الناشر: لا ديكوفيرت- باريس- 2011
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
La sociologie américaine
Nicolas Herpin, Nicolas Jonas
La Découverte
Paris- 2011
