يرى الكاتب والناشر «ستيفن وير» أن التاريخ هو نتاج سلسلة من الأخطاء الكبرى، منذ بداياته الأولى وحتى الحقبة الراهنة. وقد اختار لكتابه الذي عرض فيه آراءه حول هذا الموضوع عنوانا يقول:
"أسوأ قرارات التاريخ"، الذي نشره أولاً باللغة الانكليزية ثم عرف ترجمته إلى العديد من اللغات.
إن المؤلف يستعرض في هذا الكتاب قائمة من خمسين قرارا اتخذها صانعو التاريخ خلال مسيرة الإنسانية الطويلة من الحقب القديمة حتى العصر الراهن. إنها القرارات "الأكثر حماقة"، كما يقول هذا رغم أن الكثير منها قد اتخذها أناس نواياهم حسنة، بل وتمتعوا بقدر كبير من الذكاء.
كما أن الكثير منها جرى ارتكابها على قاعدة "خيار خاطئ" في لحظة معينة عندما قرر أصحابها السير في هذا الطريق وليس في ذاك. لكن المؤلف لا يتردد في القول ان العديد من تلك القرارات السيئة قد جرى اتخاذها على خلفية من الغباء الكبير. وكان لها عواقب هائلة على أصحابها أو على شعوبهم أو على العالم عامة.
ويشرح المؤلف أن الكثير من "القرارات" المعنية تبدو بالأحرى أنها كانت نتيجة تواكب عدد من الظروف التي دفعت إليها أكثر مما كانت نتاج إرادة فردية لأصحابها. وبهذا المعنى يرى المؤلف أنها "لم تكن قرارات حقيقية" اختارها أصحابها ، بل "أخطاء" في الحكم.
وبعض تلك القرارات تتم إعادتها للسيــاق الخاص الذي يحدد آليات اتخاذها. هكذا مثلاً عندما قام المسؤول عن مفاعل "تشيرنوبيل" النووي الروسي باتخاذ إجراءات تقنية كان منهـــا أن أثارت كارثة إنسانية حقيقية، إنما قد فعل ذلك بناء على توجيهات محددة بدقّة في مثل السياق الذي تصرّف فيه، وبالتالي لم يتخذ "قرارا" مدروســا قائما على الاختيار الشخصي.
ويشرح ستيفن وير أن لكل "قرار سيئ" دوافعه العميقة لدى المسؤول عن اتخاذه. هكذا يشرح مثلا أن الجنرال الأميركي جورج ارمســترونغ كوســتير، استطــــــاع أن يحقــــــق مآثــر وإنجازات كـــبرى خلال الحرب الأهليـــة الأميركية في عقد الستينات من القـــرن التاسع عشر. وكان قد برع أيضا في ملاحقاته لمجموعة "كوك كوكس كلان" ذات الإيديولوجية العنصرية.
وفي عام 1876 عُهد للجنرال كوستير بمهمة القيادة في معركة "ليتل بيغ هورن"، التي جرت بالقرب من نهر "بيغ هورن" في ولاية مونتانــــا. وكـــان قد تواجـــه فيهـــا حوالي 650 من رجـــال الجنرال مع الهنـــود من قبيلتــــي "شيين" و"سيو".
لكن الجنرال اتخــذ قرارات خاطئة دفـــع حياته ثمنـــا لها. ويُنقل عنه قوله: " الهندي الجيّد هو الهندي الميت". مؤلف هذا الكتاب يعتبر أن "الدافع" وراء قرار"كوستير" كان "الجشع" و"الصلف". لكن الهنود أنفسهم أبدوا حياله "الاحترام" دائما.
ومن أسوأ القرارات التي عرفها التاريخ يذكر المؤلف أيضا ما فعله "نيرون" بحرقه روما وأخذ "يعزف على قيثارته" وهو يتفرّج عليها، كما قيل. "الدافع" في هذه الحالة كان أيضا "الجشع" و"الشره" ، كما يشرح المؤلف. ذلك الحريق استمرّ لمدة ستة أيام وطال المدينة كلها تقريبا وأدّى إلى التدمير الكامل لبعض الأحياء.
ووصل عدد القتلى إلى عدة آلاف إلى جانب ما يزيد على مائتي ألف مشرّد. ولم تكن عمليات الإطفاء ناجعة جدا بسبب ضيق الشوارع، مما أعاق مرور رجال الإطفاء، وأيضا بسبب عدم توفر المياه.
تتم الإشارة أن جدلا كبيرا قام منذ الأزمنة القديمة ولم يهدأ حتى الآن فيما يتعلق بالأسباب التي أدت بنيرون إلى اتخاذ "قرار" حرق المدينة.
بكل الحالات هناك إجماع على تحميل الإمبراطور "نيرون" مسؤولية الحريق، كما تؤكّد المعلومات المتناقلة منذ عصره. وفضلاً عن "الدوافع" الخاصة برغبته في أن يكون تدمير المدينة أحد مصادر إلهامه الموسيقي، يردد كثر حجة مفادها أن نيرون أراد أن يخلّد اسمه عبر "تجديد المخطط العمراني للمدينة".
لكن ذلك لم يمنع بعض المؤرخيـن بمن فيهــم المؤرخ الروماني الشهير "تاسيت" عن القـــول ان أوامـــر عليا في روما كانت وراء القيام بسلسلـــة من الأعمـــال الرامية إلى مكافحة الحريق، وأن هناك اليــــوم دراسات تميل إلى "تحسين" صورة نيرون. بكل الحالات كان قرار حرق روما ، حسب توصيف المؤلف ، هو أحد أكثر القرارات "سوءاً" في التاريخ.
وماوتسي تونغ، زعيم الصين لعدة عقود منذ عام 1950 هو صاحب قرار تبنّي سياسة اقتصادية في بلاده عُرفت باسم "القفزة الكبرى إلى الأمام" عام 1958 واستمرّت حتى بداية عام 1960.
وقد أراد "ماو" بقراره تعبئـــة الصينييـــن لإنعـــاش الإنتاج الزراعي وتوسيع البنى الصناعية الأساسية وإنجاز مشاريع أشغال عامــــة ضخمـــة، وذلك كله بأقصر فترة ممكنة.
"القفزة الكبرى إلى الأمام" كانت تفتقر إلى الواقعية وبالتالي فشلت فشلا كبيرا، وكادت الصين تواجه الانهيار الكامل اقتصاديا.
أما "دافع" ماو وراء اتخاذ مثل ذلك القرار فيحدده المؤلف بـ"إيمانه" العميق أنه كان قرارا "صائبا"، وحيث جعله ذلك غير قادر على رؤية الواقع.
وعبر استعراض عدد من القرارات "السيئة" التي عرفها التاريخ يتم التأكيد أن:
"أولئك الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي محكوم عليهم بتكراره". وليس الأفراد وحدهم هم الذين يذكر المؤلف "قراراتهم السيئة" ولكن أيضا أفعال الحكومات والمجتمعــات التي قد لا تزال نتائجها في العالم الذي نعيش فيه.
إن المؤلف يذكّر قارئه بـ"أسوأ القرارات في التاريخ" منذ "حرب طروادة" وحتى "فضيحة شركة انرون الأميركية" ومن "كليوباترة" إلى تشرشل وموغابي.
الكتاب: أسوأ قرارات التاريخ
تأليف: ستيفن وير
الناشر: تير ايديسيون باريس- 2011
الصفحات: 255 صفحة
القطع: المتوسط
Les pires décisions de lصhistoire
Stephen Weir
Terre Edition - Paris- 2011
255
