يقدم الكاتب ومؤرخ الحياة الاجتماعية البريطاني بيل بريزون "تاريخا موجزا للحياة الخاصة"، كما يقول عنوانه الفرعي. في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "عن المنزل"؛
ويشير المؤلف بداية أنه يعيش في منزل يعود بناؤه إلى الحقبة الفكتورية البريطانية في أواسط القرن التاسع عشر. ومن خلال التأمل بهذا المنزل وبالدور الذي أُلصق بكل حجرة من حجراته، يؤرخ لمفهوم "المنزل" نفسه ويغوص بكثير من السلاسة في توصيف كل مكوّن صغير فيه ومن أشياء لا تثير للوهلة الأولى أي فضول مثل زجاج النافذة والملح والتوابل والأثاث، كي يصل إلى الدلالات التاريخية العميقة وراء ما يبدو بدون تاريخ حقيقي.
هذه الأشياء الصغيرة عرفت مسارا تطوريا كبيرا من حيث الاستخدامات اليومية لها. بل "اخترع" البشر أشياء جديدة اشتقّوها مما كان متوفرا لديهم أو دفعتهم إليه مستجدات ضرورات الحياة. يقول المؤلف: "البيوت هي أشياء غريبة حقيقة". ويشرح مثلا كيف أن الحجرات توزّعت انطلاقا من صالة كبيرة، كانت الأكثر أهمية في المنزل، لتصبح في كثير من الحالات مجرّد مكان لـ"تعليق القبّعات".
أما وظائف مختلف غرف المنزل فقد تطوّرت بشكل رئيسي تبعا لتطوّر "مفاهيم الفائدة" وتطوّر مستلزمات "الحياة الخاصة". ويرى المؤلف أن تطوّر "المدخنة" في المنزل قاد إلى فكرة بناء "طابق آخر". هذا مع البحث في الأصول التاريخية والثقافية لأسماء الصالات ومختلف حجرات المنزل والأثاث والقطع الأساسية المستخدمة في حياة البشر، مثل الطاولة والكرسي والمطبخ والمكتب وخزانة الحائط، الخ.
إن المؤلف ينتقل بقارئه من المطبخ إلى القبو السفلي ومن الحديقة إلى زريبة الحيوانات المدجّنة، كي يبيّن عبر ذلك الآلية التي تطوّرت على أساسها الحضارة الغربية، بنسختها البريطانية، خاصة فيما يتعلق بتكييف منزل السكن مع مستلزمات تطور نمط العيش. ويصل إلى نتيجة مفادها أن المنازل غدت تعبيرا عن رغبة البحث عن "مكان مريح" يلجأ إليه البشر بعد ساعات العمل المضني. هذا فيما هو أبعد من تحسين شروط البقاء.
لكن تم الانتقال من "الضروريات" و"الأساسيات" إلى ما يمكن أن يتم تصنيفه في خانة "الديكور". هكذا ظهرت قطع الأثاث المزينة بالنقوش والستائر المزخرفة في بريطانيا منذ أواسط القرن الثامن عشر. أما "غرفة الطعام" المنفصلة عن بقية الحجرات فقد ظهرت لأسباب تتعلق بالنظافة وعدم "انتشار البقع الناتجة عن الأطعمة" في عموم المنزل. وفي القرن الثامن عشر كان "من الجنون التفكير بصالة حمام منفصلة وتخدم لغاية الاغتسال فقط".
ومن خلال التأريخ لـ"المنزل" يبيّن المؤلف مدى التغيرات التي عرفها نمط العيش لدى سكانه. وكذلك على الظواهر ومصادر الخطر. هكذا مثلا إذا كانت السيارات وحوادث الطرق هي أحد مصادر الخطر الكبرى اليوم فأن السبب الرئيسي الأكثر ترددا في أسباب الوفاة بالحوادث يحدده المؤلف في القرون الوسطى بـ"سلالم البيوت" الداخلية.
ومن الأفكار التي يؤكد عليها المؤلف هي أن الأصول الأولى للغالبية العظمى من المواد الغذائية التي يتناولها البشر اليوم تعود أساسا إلى العصر الحجري. والتأكيد أن نهاية حياة الترحال التي سادت في حقبة القطف والصيد "قد حصلت ـ أي نهاية حياة الترحال ـ في عموم الأرض بين أشخاص لم تكن لديهم أية فكرة أن هناك آخرين في مناطق بعيدة يفعلون الشيء نفسه. هكذا استقرت مجموعات من البشر بالوقت نفسه في أماكن متباعدة جدا في انكلترا وسيبيريا وأميركا الشمالية".
وتطور المنازل ارتبط أيضا إلى حد كبير بـ"تطوّر الإضاءة" في المدن، وما ترتب على ذلك من عدد النوافذ واتساعها. ثم إن زيادة الإضاءة ليست بعيدة عن تطوّر واجهات الأبنية. وبهذا المعنى كانت هناك صلة "عضوية" بين الثورة الصناعية وثمراتها، واختراع الكهرباء، وبين الطريقة التي يشغل فيها البشر حيّز المنازل التي يسكنونها.
ويهتم المؤلف في توصيفه للمنازل وتطور مسار استخدامها بدقائق قد لا تخطر على بال. فمثلا يشير إلى أن استخدام "سموم الفئران" في المنازل ما كان لها أن تكون مجدية لو لم تكن الفئران غير قادرة على التقيؤ، و"استفراغ" ما تلتهمه.
وقوله أن أبواب البيوت لم تكن منخفضة لكون أن البشر كانوا أقصر قامة، بل لأن كلفة الأبواب كانت باهظة جدا. هكذا يصادف القارئ "قصصا" عن الفئران والجراد، وعن كل الأشياء الغريبة والصغيرة يجد لها مكانا في حياتنا اليومية، وفي مسار تطوّر منازلنا.
في المحصلة أراد مؤلف هذا العمل "كتابة تاريخ العالم دون الخروج من المنزل"، كما نقرأ. ذلك أن "الحياة الخاصة للبشر، في غرف طعامهم ونومهم ومطبخهم وغذائهم وتوابلهم، وإلى آخر السلسلة من محتويات المنزل، واكبت إلى حد كبير المسار التطوّري للعالم وللحضارة الإنسانية مهما اختلفت المناطق والحقب. وكل ما يحصل في العالم من تجديد أو تبدّل يجد صداه في المنازل عبر دهان الجدران وأنابيب المياه والغاز وأسلاك الكهرباء والأثاث... وكل شيء".
