يناقش كتاب ( الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا ) لمؤلفه شايع الوقيان قضايا متعددة حول ماهية التصور ومهمة الفلسفة والتأويل والتذوق الفني والإبداع والتواصل وجمالية الصورة، كما يضم ملاحق تبحث في مفهوم الأسطورة والفلسفة وبيانا بأسماء المراجع.
يكثِّف المؤلف في استهلال الكتاب رؤيته التي ينطلق منها في دراسته بالتركيز على العلاقة بين العادي والجديد مفضلا استخدام كلمة عادي بدلا من كلمة القديم معتبرا أن كل جديد على صعيد الفكر أو الفن أو الأدب بعد مدة من الزمن سوف يتحول إلى عادي .
وهكذا ، لكنه يلح على اعتبار أن تجاوز العادي هو بوابة الإبداع على الرغم من أنه قد لا يكون أفضل من العادي، إلا أن قدرته على فهم ووصف وقراءة الواقع بشكل صحيح هو العامل الحاسم في انتصاره .
ويستدرك أن هذا الحديث عن الإبداع لا يرتبط بقضايا السعادة والرفاه بل هو محصور فيما يتعلق بالحرية قبل أي شيء آخر لأن الحرية من وجهة نظره أبلغ من السعادة، والتحرر من العادية يضع الإنسان في قلب إنسانيته بشكل أفضل. من جهة ثانية يؤكد أن ما يناضل الفكر الحر والإبداعي من أجله هو القضاء على الشمولية السياقية وهذا يجعل نشر الأفكار وتبنيها لا يمثل خطرا على أحد، بل هو يحقق التنوع البشري المطلوب.
وكمدخل لتحديد ما يمكن أن يؤخذ وما يمكن أن يترك من الأشياء يناقش أولا مفهوم التصور كما طرحته كتب التراث العربي بغية تحديد الأخذ وعدمه مبينا أن طريقة تصور الشيء في العقل هي التي تلعب دورها في تلك العملية، وأن للتصور وجهين وجه معرفي ووجه تاريخي، حيث يرتبط التكوين التاريخي بسياق الخبرة. ثم يتحدث عن الوعي النقدي بأزمة التصور في خطاب ما بعد الحداثة وعن مستويات التصور .
يتناول المؤلف التصورات العليا بوصفها أيديولوجيا من خلال بيان طريقة عمل الأيديولوجيا . وبعد أن يطرح سؤالا حول الفرق بين نص الفيلسوف ونص الشاعر يجيب بأنه هو التصرف الحر للخيال، لأن الفيلسوف لا يتصرف خياله بالصور تصرفا حرا ولا يخلق عالما شعريا لأنه يقف عند الأشياء نفسها.
وهذا ما يجعله لا يتخلى عن العقل، في حين أنه قادر على أن يغني وحيدا وأن يعيش وحيدا. وإذا كان عالمنا اليوم يتميز بسيطرة التصورات في ظل مبدأ العقلنة الشديدة للعالم والأفراد والمجتمعات، فإن ذلك يسهم في غياب الدهشة وسيطرة الروتين على حياتنا تلك الدهشة التي يقول عنها أرسطو هي أصل التفلسف، ولذلك يحاول المؤلف تعريف الدهشة بالقول هي إحساس عميق وجاد بالشيء في تفرده وتميزه .
وفي ظهوره المستمر ، لكنه ينبّه إلى أن ما يثير الدهشة هو الصورة لا التصور. ويخصص للبحث في جماليات ومعاني الصورة فصلا خاصا يحاول في بدايته أن يكسف عما تتميز به الصورة بوصفها تمثيلا للحياة والوجود الأصيل للأشياء، في حين أن المحتوى الحي لها يشكل وجودا آخر ليس واقعيا وهي تمتاز بكونها لا تعبر عن الحقيقة لكنها ترتبط بمعان وقيم وأشياء .
يبيِّن المؤلف كيف أن الصورة تستدعي الذهن إليها وتستدعي أيضا الخيال والحواس فهي لا تحيل إلا إلى ذاتها ومضمونها المباشر ، مشيرا إلى أن العالم الخارجي ليس وحده هو مضمون الصورة إذ هناك العالم الخيالي والعاطفي والمعنوي. أما على مسوى الشعر فإنه في لحظة انكشاف العالم للشاعر فإن الرؤية تتعرض للانبهار وللانخطاف الروحي العارم الذي يسميه بالخيال .
حيث يكون هذا الانخطاف أشبه بالحلم ما دفع فرويد إلى القول بأن الحلم هو تفكير بالصور. وبعد أن يتحدث عن علاقة الإنسان بالصور يؤكد على أن تلقي الصورة كفن يتطلب حسا خياليا عاليا لكي نتمكن من أن نعيش لحظة إبداع الفنان للصورة.
أما كيف يقوم خيال الفنان بتحرير الصورة من الإطارين المكاني والزماني المحددين فهو ما يحاول الكشف عنه لدى الرسام ومن ثم لدى الشاعر ما يجعل التعبير الفني يحمل دعوة إلى إلى رؤية عالم مغاير للعالم المادي في حين يسمى الشعور الذي يتولد عنه بالشعور الجمالي.
يبحث المؤلف في علاقة التأويل بالتذوق الفني معتبرا أن المؤول ليس متذوقا بل هو عالم أو مفكر أو ناقد لأن تذوق العمل الفني يتطلب الانفتاح التام عليه/لعبة المرايا، فالنص له حقيقته المتطابقة مع وجوده الأصيل. ويقدم المؤلف مثالا على ذلك من الفكر الإسلامي المعاصر وطريقة تناوله للنص المقدس، مضيفا بأن الفهم والتأويل خاضعان لإرادة أخرى أي إرادة التواصل والنقل، وهي أيضا مرتبطة بإرادة السياق على عكس التذوق الفني لأنه لا يهدف إلى إجراء تحويل، بل يسعى للوقوف عند النص .
يطرح المؤلف مجموعة من الأسئلة حول العقل من حيث اجتماعيته وعلاقة ذلك بنسبيته بهدف الكشف عن طبيعة العقل الذي يشتمل على جانبين الأول إنساني عام والثاني نسبي تاريخي يظهر في الطبيعة الثانية والثقافية حيث يتأسس التواصل على الجانب الأول، في حين أن معرفة حقائق الأشياء( المعرفة) تمثل السبيل لتحقيق التواصل الحقيقي الذي يعذّ بحد ذاته معرفة .
الكتاب: الفلسفة بين الفن والأيديولوجيا
تأليف: شايع الوقيان
الناشر: المركز الثقافي العربي والنادي الأدبي بالرياض
عدد الصفحات:216 صفحة 2010
القطع: المتوسط
