يجد قارئ كتاب (بعثيون من العراق كما عرفتهم) لمؤلفه جهاد كرم في السير المدونة تستراً على بعض الانحرافات، التي تورط فيها قياديون في الحزب، وهو راعى في التدوين، ما يحفظ ماء الوجه ويبقي للحزب مسحة من الطوباوية الزائفة. لكن هذا لا يلغي القيمة التاريخية لكتابه، وتشكل العودة إليه حاجة وضرورة تعينان أصحاب الشأن على إكمال موضوعاتهم والاستفادة من المعلومات الواردة في متن السير.
لم يجعل المؤلف السير التي ضمنها كتابه مادة للتحليل والمناقشة وإبداء الرأي، حتى انه لم يبتعد كثيراً في تأويل علاقتها بالحزب والدولة؛ فقد آثر نوعاً من الكتابة التقريرية، التي تقوم على جمع المعلومات واستدعاء التفاصيل التي تؤرخ لشخصيات كتابه، وهذا ما تطلب إجهاداً للذاكرة سعياً وراء التفاصيل ونبشاً للكثير من الوثائق.
لقد كان طموحه كما يقول في المقدمة، أن يربط بين المكونات الشخصية وبالتالي القيمة الذاتية للمسؤول وإنجازاته على مستوى العمل النضالي السري، أو المسؤولية عندما تسلم حزب البعث السلطة في المرحلتين: الأولى من 8 فبراير ولغاية 18 نوفمبر 1963؛ والثانية من17 يوليو 1968 ولغاية 22 مارس عام 1968؛ وتتناول مرحلة النضال السري كما يشير الكاتب الفترة الممتدة طوال عقد من الزمن، وتحديداً بين مايو 1958 ولغاية يوليو 1986.
وفي توصيفه لطبيعة حزب البعث، وللخصائص التي طبعت هيكليته، يميز المؤلف بينه وبين باقي الأحزاب والتنظيمات التي شهدتها الأقطار العربية، إن لجهة الالتزام الطوعي الكلي والاحتراف الثوري والالتحام بالمبادئ ونكران الذات وإهمال حقوق العائلة من زوجة وأطفال ووالدين. ويعيد المؤلف ذلك إلى بنية المجتمع العراقي الفريدة القائمة؛ على التعصب المبدئي والتطرف الايديولوجي وأحياناً على الاقتتال والعراك الجسدي الدموي.
ويُسقط المؤلف عن الحزب التزام المحازبين الولاء التنظيمي، وانتماءهم الايديولوجي، اللذين يبدوان في الظاهر وكأنهما حالة خاصة راصداً الولاء العشائري الشبيه في جوهره للتقاليد المعروفة في المؤسسات العسكرية.
ويأخذ على البعثيين العراقيين انتقالهم من عشائرهم إلى الحزب، من دون أن يمروا بالمواطنة". ومن هذا المنطلق تحول الحزب إلى عشيرة، ينصر فيها الحزبي، رفيقه، بغض النظر عن الصواب والخطأ". وهذه السمات، هي قواسم مشتركة بينه وبين باقي الأحزاب الأخرى كالحزب الشيوعي مثلًا.
يعيد المؤلف حالة الالتباس هذه، إلى عجز الحزب عن التعاون مع القوى السياسية الأخرى ودخوله في حالة من الصراع والرفض معها، معتبراً أن الحزب في العراق قد انتصر للقيادة التاريخية المتمثلة بمؤسسة ميشال عفلق الذي وضع أسسه الفكرية وصان وحدة الحزب القومية، وكان من المقدرين لمعنى الالتزام الكامل، ولأهمية الاحتراف الثوري الملقاة على عاتق المناضلين قيادات وقواعد.
يستعرض المؤلف في قراءته السريعة لبدايات الحزب التأسيسية عشرات الأسماء من أعضاء ومناصرين وأصدقاء، قدموا من كل أطياف المجتمع العراقي ومن كل المناطق من الجنوب والشمال والوسط. وإن بدا الحزب متجانساً في بداية نشاطه في الأربعينات ولم يعرف الشقاق أو الانقسام، إلا أن وحدته تعرضت للاهتزاز بعيد ثورة 14 يوليو عام 1958 وتحديداً عقب إعلان الوحدة بين سوريا ومصر.
بدا تدخل أجهزة المخابرات المصرية واضحاً، وقد أثر عبثها على وحدة الحزب. استمالت الأجهزة المذكورة فؤاد الركابي لتؤول أمانة السر من بعده إلى علي صالح السعدي.
وتتوالى على الحزب الخلافات والانقسامات التي بلغت منحى خطيراً عندما سادت لغة التخوين والاتهامات المركبة لإسقاط رؤوس كبيرة في قيادة الحزب. استمرت حال التهرؤ في الحزب طوال عقدين من الزمن، وبوصول صدام حسين إلى السلطة، غدا الأمر والناهي، لا شريك له في القيادة.
ويأخذ المؤلف على الحزب إغفاله الديمقراطية وتغييب الحوار وعدم تقبل الرأي الآخر، فأنعكس الأمر سوءاً على بنية الحزب الذي أصيب في انشقاقات، عرضته لكثير من المشكلات، فتعطل نموه وضربت الآمال التي كانت معقودة عليه.
حال المراوحة داخل الحزب استمرت عقوداً لتضع الحرب الأخيرة التي أنهت حكم صدام حداً لها، انتهى حكم البعث، وحُل الجيش والقوى الأمنية، لكن أياماً قليلة لم تكد تمضي حتى بدأت المقاومة (التي يبدو أن الرئيس صدام كان قد أعد لها مسبقاً).
الكتاب: بعثيون من العراق كما عرفتهم
تأليف: جهاد كرم
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت 2010
الصفحات: 294صفحة
القطع: المتوسط
