تحتاج الدول والأمم إلى إستراتيجيات لتحديد توجهاتها المستقبلية على المدى القصير المتوسط والكبير ومن أجل حماية مواطنيها وشعوبها أمام أية اعتداءات محتملة. صياغة مثل هذه الإستراتيجيات تشكل أكبر المهمات التي تواجهها الدول. وهذا ما يشرحه أخصائيون أميركيون مشهود لهم بخبرتهم في أرض الميدان وبمعارفهم النظرية الواسعة، في كتاب يحمل (صياغة الإستراتيجية الكبرى) حيث يبحثون في العلاقات بين (السياسة والدبلوماسية والحرب)، كما يشير العنوان الفرعي.
ويضع المساهمون في هذا الكتاب بمقدمته شرطا يرون أنه لا بد منه لـ (نجاح) أية إستراتيجية كبرى وهو قيام الحكومات والقيادات السياسية المعنية بها بتحديد نهج لا يكتفي بالرد على الأحداث المباشرة الجارية. هذا مع التأكيد على أهمية التأقلم مع المتغيرات المفاجئة والهامة التي يعرفها المحيط الدولي التي تحدد غالبا أكثر من أي سبب آخر، نشوب النزاعات والحروب الكبرى. إن عملية التأقلم هذه تقتضي بالضرورة التعرّف على التطورات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية الجارية.
تجدر الملاحظة أن تعبير "الإستراتيجية الكبرى" مستخدم خاصة في اللغة الإنكليزية للدلالة على كيفية مقاربة الحروب التي قد تقع على أعلى المستويات، وغالبا على المدى الطويل. هذا مع التأكيد أن الجانب العسكري لمثل هذه الحروب، رغم أهميته الكبرى في تحديد نهاياتها، لا يمثّل عاملا وحيدا في الحرب.
وليس العامل الحاسم الوحيد في الانتصار. بالتالي لا يمكن لواضعي الإستراتيجيات الكبرى الاكتفاء بإدارة الجيوش بل عليهم التأمّل والتفكير في كيفية تسيير اقتصاد وسياسات البلاد التي يتولون قيادتها. ثم إن التحالفات ومستويات التطور الصناعي لها دور كبير في تحديد "سير الحروب" وتحديد "مآلها" في النهاية. تتم الإشارة في هذا السياق أن "زمن السلام" يجد امتداده في "زمن الحرب"، بمعنى التحضير الجيد لها.
بدأ استخدام مفهوم (الإستراتيجية الكبرى) منذ القرن الثامن عشر. وينقل المؤلفون عن منظّر الحرب الكبير كارل فون كلاوزفتس تعريف الإستراتيجية أنها (استخدام المعارك من أجل الانتصار في الحرب). والتعريفات المقدّمة لهذه المفهوم عديدة، مع الإشارة أن المفكّر الإستراتيجي الصيني الشهير صن تسو كان قد حدد في كتابه (فن الحرب) الذي لا يزال مقروءاً كثيرا حتى اليوم، ما يزيد على مائة مبدأ لصياغة (إستراتيجية ناجحة). وكان ماكيا فيللي قد حدد في عام 1520 العلاقة بين ما هو مدني وما هو عسكري صياغة (إستراتيجية كبرى).
وفي الفصل الخاص بـ (الثقافة الإستراتيجية وحرب السنوات السبع) أي تلك التي دارت في أوروبا خلال سنوات 1756-1763 ويشرح الكاتب جيريمي بلاك أن فريديريك تبنّى (إستراتيجية استنزاف) بحيث أبقى خصومه على مسافة بعيدة وحافظ على قوة بلاده (بروسيا). لقد هوجم من جميع الجهات من قبل فرنسا والنمسا وروسيا والسويد، فاستفاد من موقعه المركزي وأعاد انتشار جيشه على طول الحدود الداخلية مركزا بالوقت نفسه جهوده على مواجهة خصم واحد. لقد فهم أنه لم يكن بمقدوره الانتصار في تلك الحرب فعمل على إبعاد الهزيمة أطول فترة ممكنة للحصول على حل دبلوماسي.
إن المساهمين في هذا الكتاب يقدّمون شرحا لما يسمى بـ"الإستراتيجية الكبرى" من خلال دراسة (حالات تاريخية) لإظهار الكيفية التي تمت بها عمليات إعداد مثل تلك الإستراتيجيات في زمن السلم، كما في زمن الحرب.
وتولي تحليلات الكتاب أهمية أيضا لدراسة المفاهيم النظرية لعدد من العناصر التي لا بد أن تدخل في صياغة أية إستراتيجية، مثل (تحديد الأهداف) و(الهجوم) و(الدفاع) و(المناورة) و(وحدة القيادة) و(عنصر المفاجأة)، الخ. والإشارة إلى وجود تيارين هامين في الفكر الإستراتيجي.
تيار يقول إستراتيجيون أن الاحترام الحازم للمبادئ الأساسية للإستراتيجية يضمن الانتصار بينما يقول إستراتيجيو التيار الآخر أن نتائج النزاعات والحروب (غير مرئية مسبقا) وبالتالي ينبغي أن تتمتع الإستراتيجيات (الكبرى) بقدر كبير من المرونة.
في المحصلة يجد القارئ في هذا الكتاب رؤية "أكاديمية" للإستراتيجيات الكبرى. واستعراض أشكال النجاح والفشل التي عرفتها الإستراتيجيات الكبرى في التاريخ الغربي الحديث خاصة. والبحث في الصعوبات التي واجهتها فيما يخص أقلمتها مع حقائق العالم القائم. ولعلّ الغائب الأكبر في هذا الكتاب هو الخوض في تأثير أسلحة الدمار الشامل على صياغة الإستراتيجيات الكبرى في السياق الراهن.
الكتاب: صياغة الإستراتيجية الكبرى
تأليف: ويليامسون موري وآخرون
الناشر: جامعة كمبردج 2011
الصفحات: 294 صفحة
القطع: المتوسط
The shaping of grand sgtrategy
Williamson Murray
Cambridge University Press- 2011
294 p.
