لا يختلف اثنان على أن الأجهزة السرية الروسية في مختلف مراحلها منذ فترة القياصرة الروس، ووصولاً إلى الحقبة الحالية، ومروراً بالفتـــرة السوفييتية وجهازها الشهير الـ (كا.جي.بي)، هي من بين الأكثر شهرة في العالم. والفرنسي اندريه كوزوفوا، المختص بالعالم الروسي عامة والحقبة السوفييتية خاصة، يقدّم كتاباً تحت عنوان: (الأجهزة السرية السوفييتية) ويحدد الفترة الزمنية التي يدرسها (من القياصرة إلى فلاديمير بوتين).

إن المؤلف يعود إلى الحديث عن قضايا شهيرة في مسار الأجهزة السرية الروسية مثل (يد موسكو) و(الجواسيس الخمسة في كامبردج) و(ضربة المظلّة البلغارية) و(وخزة تروتسكي) و(إعدام روزنبرغ) و(قتل الكسندر ليتفينكو بالسم). هذه القضايا كلها وغيرها ليست سوى محطات في التاريخ (السرّي) الروسي، كما يشير المؤلف، مؤكّداً بالوقت نفسه أنه من المهم جداً دراسة هذا التاريخ. ذلك أن الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية الروسية تتطوّر في روسيا بـ (التناغم) مع المسارات السريّة للأنظمة القائمة.

يتعرض المؤلف بالتفصيل لتاريخ (الجواسيس الروس الكبار) عبر الحديث عن أصولهم وتكوينهم الدراسي والمهني وطرق عملهم. هذا دون نسيان الأثر الذي تركوه في مخيلة الجمهور العريض على مستوى العالم كله. وهو لا يتردد مثلاً في القول إن (جيمس بوند)، الشخصية الروائية الشهيرة في عالم التجسس، تجد ما يوازيها في عالم الواقع لدى الجواسيس الروس.

ويذكّر المؤلف منذ البداية بكلمة كان قد قالها لينين بتاريخ 8 نوفمبر من عام 1917 أي بعد فترة وجيزة من قيام الثورة البلشفية، وجاء فيها: (بالنسبة لنا، إننا نناهض الدبلوماسية السريّة وسوف نتحرك بشكل واضح أمام أنظار الشعب كله). لكن الواقع يقول شيئاً آخر، يؤكّد المؤلف.

وكان أمراء كييف قد لجأوا إليه في نهاية الألفية الأولى في مجال حروبهم الداخلية كما في مواجهاتهم مع بيزنطة. وكان ايفان الثالث (أب الدولة الروسية) قد اعتبر التجسس عنصراً متميّزاً في السياسة الخارجية لبلاده. وكان حفيده ايفان الرابع، (ايفان الرهيب)، قد أسس أول جهاز شرطة سياسية حقيقياً، قام بملاحقة الأعداء الحقيقيين، أو المفترضين، لعرشه. ثم جاء القياصرة بعده ليتابعوا في نفس النهج.

وكان بطرس الأول قد وسّع من إطار ومن قدرات الأجهزة السريّة كي يضعها في خدمة الدبلوماسية الإمبريالية للقوة الروسية الجديدة. ودعّم بالمقابل جهاز الشرطة السياسية في بلاده. أمّا أجهزة الاستخبارات العسكرية فقد جرى تأسيسها رسمياً في القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1856. ثم كان اغتيال القيصر الاسكندر الثاني وراء إنشاء جهاز (اوكرانيا) عام 1881 .

وتمّ تحديد مهمته بجمع المعلومات وبـ (التضليل الإعلامي). وقبيل الحرب العالمية الأولى جرى الكشف عن أول عميل سري (مزدوج) كان يعمل لخدمة الجهاز السري الروسي. وهو الكولونيل النمساوي (الفرد ريدل) الذي تحوّلت قصته إلى فيلم سينمائي لاحقاً. وفي مطلع القرن الماضي تعددت دوائر الاستخبارات وغدا الدبلوماسيون الرسميون غالباً (جواسيس). لكن الجهاز السري السياسي الروسي لم ينجح في كبح الحركة الثورية التي أنهت الحكم القيصري عام 1917.

وعلى الرغم من تأكيدات لينين أنه كان ضد الدبلوماسية السرية والجاسوسية، فإنه كان وراء تأسيس (اللجنة الاستثنائية لمكافحة الثورة المضادة والتخريب)، المعروفة باسم (تشيكا) بتاريخ 20 ديسمبر- كانون الأول 1917. وقد اعتبرت تلك اللجنة كل المعارضين، بما في ذلك الرفاق السابقين، بمثابة (أعداء للنظام). بالتالي تم كليف جهاز (تشيكا) بالقضاء عليهم. باختصار استمر العالم بنفس الطرق السابقة ليتصاعد القمع مع عمليات (التصفية الستالينية) الدموية.

وتتميز الفترة السوفييتية بـ(ازدواجية) الأجهزة السرية بين الأجهزة العسكرية والأجهزة المدنية التي اتخذت تسميات عدة كان آخرها الـ (كا.جي.بي) ليصبح اسمها في الحقبة الحاضرة (اف.اس.بي). وقد قامت تلك الأجهزة كلها بعمليات في الخارج كان من أبرزها قتل تروتسكي في منفاه المكسيكي. وكانت سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، العشرين، بمثابة (عصر ذهبي) لعمليات (الاندساس) و(التجنيد الإيديولوجي) لجواسيس روس خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان.

وتؤكد المعلومات التي يقدمها المؤلف أن الاتحاد السوفييتي لم يتوقف عن التجسس على حلفائه الانكلوسكسون خلال الحرب العالمية الثانية. وفضلاً عن ممارسة الاستخبارات ذات الطابع العسكري عمل الجواسيس الروس على الكشف عن أسرار البرنامج النووي الأميركي. وقد استمر ذلك طيلة فترة الحرب الباردة.

ومما تتم ملاحظته أن الكثير من الجواسيس الروس أرادوا التعاون مع الغرب بعد انهيار جدار برلين عام 1989. لكن (الشهية للقوة) ظلّت قائمة لدى روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن أجل هذه القوة وخدمتها أنعشت فترة فلاديمير بوتين عمل جهازها السري (اف.اس.بي)، حسبما تنتهي إليه تحليلات هذا الكتاب؛ ومن خلال البحث في تاريخ الأجهزة السرية الروسية يوضّح المؤلف خلفية العلاقات المعقّدة بين روسيا والغرب منذ زمن القياصرة حتى زمن بوتين.

 

 

 

 

الكتاب: الأجهزة السرية الروسية من القياصرة إلى بوتين

تأليف: اندريه كوزوفوا

الناشر: اندريه كوزوفوا باريس 2010

الصفحات: 425 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Les services secrets russes

Andreï Kosovoï

Tallandier - Paris 2010

425 p.