اشتهرت فرنسا خلال القرن الثامن عشر بوجود العديد من (الصالونات) الأدبية والفكرية. والكاتبة الفرنسية شانتال توماس تقدم ثلاثة (صالونات) شهيرة في تلك الحقبة هي (الحجرة الزرقاء لمدام رامبوييه) في القرن السابع عشر، و(صالون مدام ديفان) في القرن الثامن عشر، و(قصر كوبيت، صالون مدام دو ستايل) خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
تنقل المؤلفة عن الشاعر الفرنسي بول كلوديل قوله، إن حواراتنا اليوم لم تعد سوى (حوارات الموتى) و(كلمات متجمّدة) تنتقل من الخاص إلى العام على خلفية تسوية الحسابات والمواجهات الاجتماعية. وسريعاً (يمكن للشتائم أن تنطلق كالمطر). ما يتم تأكيده هو أنه لم تعد هناك حوارات و(محادثات) يعبّر فيها البشر عن كينونتهم وآمالهم .
ولكن (رواة القصص الغريبة والقدماء المحترفين وأصحاب الخطب الطويلة المصرّين على الإسهاب فهؤلاء جميعاً يمكنهم أن يملأوا الأوقات الميتة. واولئك الذين يكررون نفس الحكايات بفواصل زمنية قصيرة يثيرون الضجر سريعاً. إنهم لا يأبهون بالآخر ويبحثون دون كلل عن إرضاء ذاتهم (...). وليس هناك أية متعة تنتظر من أولئك الذين يودون امتحان الآخرين (...). وجميع المحادثات التي تأخذ شكل امتحان ليست مستحبّة).
المحادثة التي تدعو إليها المؤلفة هي غير (الأحاديث الفارغة)، بل تلك القائمة على الحوار. ثم إن (سقراط) كان قد أسس فلسفته على الحوار مع الآخر. والمحادثة بهذا المعنى هامة جدا لـ (الذات) وكذلك أيضا للتلاحم الاجتماعي. مثل هذه المحادثة عرفتها (صالونات) القرون ما بعد النهضة وحتى القرن العشرين.
وتذكر المؤلفة في هذا السياق المكانة التي تحتلها القرية في بلدان حوض المتوسط عامة عندما يجتمع الأهالي في الأمسيات للحديث معا عن الهموم المشتركة. أما في المدن الكبرى فيمثّل (المترو) أحد أكثر الأماكن عزلة. ذلك أن الناس يلتقون ويتجاورون ولكن دون تبادل الحديث، إلا في حالات نادرة.
تشير المؤلفة أنها اختارت ثلاث سنوات ينتمين إلى ثلاثة قرون من تاريخ فرنسا. أولهما (مدام رامبوييه) في القرن السابع عشر حيث كانت (حجرتها الزرقاء) عالماً روائياً بامتياز، حيث كانت المتحدثات (يستعرن) أسماء شخصيات روايات (السيدة سكوديري) التي كانت تستلهم بدورها من (الصالون) كي تنسج الحوار بين شخصيات رواياتها اللاحقة. وتحدد المؤلفة فكرة رئيسية مفادها أن التأثير على طريقة توجيه الحديث للآخرين قد يؤدي إلى تغيير العادات والأخلاقيات على المدى الطويل.
أما أحاديث صالون (مدام ديفان) في القرن الثامن عشر، قرن التنوير، فقد كانت تتوجه خاصة نحو الاهتمام بالحياة الأدبية في عصرها. ويتم توصيفها أنها كانت من أكثر النساء اللواتي قمن بتنظيم (صالونات) ذكاءً. كان روّاد صالونها هم من بين علماء وكتّاب ومفكري وفلاسفة عصرها.
وتؤكّد المؤلفة أن (عقلها التنويري) كان هو الذي يجذب إليها كثر من المشاهير آنذاك وليس أقلّهم فولتير الذي كان من أصدقائها المقرّبين إذ كانت تثمّن كثيرا حسّه النقدي وعقلانيته وذكائه. تتم الإشارة أن (مدام ديفان) و(فولتير) تبادلا أيضا الرسائل على مدى سنوات كاملة. بهذا المعنى شكّلت (محادثات) صالونها نوعا من لقاءات (الأكاديمية الفرنسية). لكن المواضيع المطروحة كانت بعيدة عن أي مشروع لتغيير المجتمع.
والسيدة دوستايل تعلّمت تنظيم اللقاءات في صالون والدتها، ثم وجدت صوتها وتوجهها على قاعدة (درجة عالية من الوعي السياسي) كانت تتحلّى بها مما ميّزها كثيرا عن نساء عصرها عامة. ولم يكن ذلك بعيدا عن زواجها بـ (السيد دوستايل)، سفير فرنسا في السويد آنذاك. كانت قد بدأت (صالونها) في باريس ثم نفاها نابليون إلى سويسرا .
حيث كرّست حياتها للقراءة والكتابة والترجمة، كما كانت (للمحادثات) التي عرفها صالونها في (قصر كوبيت) دور كبير لديها. وقد عبّرت دائما عن شغفها بالسياسة بطريقة (عفوية وحرّة) بعيدا عن (قواعد الحديث) المألوفة آنذاك. وكانت تعتبر أن لـ (الصالون) وظيفة أساسية هي فتح النقاش السياسي المتجدد على مصراعيه. مثل هذه الاهتمامات ظهرت بوضوح في شخوص رواياتها.
من خلال (السيدات الثلاث) اللواتي تقدمهن المؤلفة عبر (محادثات) شهدتها ملتقيات قمن بتنظيمها عبر ما سمي بـ (الصالونات) تحاول أن تؤكّد على (قيمة الإصغاء) للآخر.
طريق الاكتشاف
من خلال (روح المحادثة) تتعرض المؤلفة بالتحليل لثلاث مقاربات متباينة لمختلف المواضيع المطروحة في عصرها. بهذا المعنى يتم الحديث عن (ثلاث لحظات) في تاريخ الفكر الفرنسي. لكن المؤلفة تناقش المفاهيم التي جرى طرحها في (صالونات) القرون الماضية التي أشرفت عليها نساء دخلن التاريخ الثقافي على ضوء معطيات الحقبة الراهنة اليوم .
وليس من منظور تاريخ بحت. هذا بنوع من (المديح) لروح المحادثة المباشرة بين البشر لما يمكن أن تمنحه من قدرات الاكتشاف وما ينتج عنها من تواصل إنساني.
الكتاب: روح المحادثة
تأليف: شانتال توما
الناشر: ريفاج باريس 2011
الصفحات: 124 صفحة
القطع : الصغير
Lصesprit de conversation
Chantal Thomas
Rivages - Paris- 2011
124 p.