يركز كتاب (الحياة الفكرية في العصر المملوكي الثاني) لمؤلفه أحمد شامخ الحميد على دراسة واقع الحياة السياسية في هذا العصر بجوانبه المختلفة، ومدى تأثير الأحداث السياسية التي شهدتها مصر وبلاد الشام، وانعكاس تلك الأحداث على واقع الحياة الاجتماعية والفكرية؛ فقد مارس المماليك سلطانهم من خلال العلماء، فمنهم جاء للقضاة والمحتسبون وأعوانهم الذين أشرفوا على الأسواق، وكذلك أدار العلماء الأوقاف، وكان من رجال الدين السلطة الثانية بعد المماليك.

قامت المرأة في عهد المماليك بدور فعّال ومتميّز، إذ لم يبخل الحكام على نسائهم وبناتهم بالمال والمتاع وأضفوا عليهن ألقاب التشريف، وخاطبوهن في المكاتبات بعبارات التشريف والتكريم. وأطلق عامة الشعب على نسائهم ألقاباً تنم عن التقدير والاحترام، مثل "ست الخلق" و"ست الكل" .

وذلك من باب الفخر والتزكية والثناء والتعظيم. واقتنى السلاطين والأمراء الجواري للغناء والطرب، فكان لكل مالك أو أمير جوقة مغنيات كاملة من الجواري. وكثيراً ما تزوج الأمير جاريته حيث يتواتر أسماء كثير من الجواري اللواتي قدر لهن أن يلعبن أدواراً مهمة في قصور السلاطين والأمراء.

أما نظام التربية عند المماليك، فسنجد أن علوم الدين الإسلامي وآداب اللغة العربية كانتا لا تقلان أهمية عمّا يتلقونه من تدريبات عسكرية ورياضية، فكانوا يُجلبون صغار السن ويوضعون في الأطباق ويُعلمون الكتابة والقراءة ويتلقون آيات الذكر الحكيم وضروباً من الفروض الدينية، ويعودون على الصلاة، ويحبّب إليهم الدين والذود عنه والتخلق بكل جميل من الأخلاق. ويتابع المملوك تدريباته العسكرية في سن البلوغ، وفي وقت فراغه يطالع العلوم والآداب، وقد يتفقه أحدهم في الدين أو يأخذ بنظم الشعر والكتابة.

ومن السلاطين الذين راعوا العلماء وقربوهم إليهم السلطان "ططر" الذي كان مائلاً للعدل ويحب العلم ويكرّم العلماء . وحظي المسجد في العصر المملوكي باهتمام السلاطين والأمراء وعامة الناس بمختلف فئاتهم، فشهد العصر حركة عمرانية للمساجد لا تزال آثارها باقية حتى يومنا هذا.

وكان الكثير من السلاطين والأمراء ينزلون هذه المساجد لمشاركة العلماء حلقاتهم العلمية. ومن العلماء الذين تخرجوا من الجامع الأزهر القلقشندي والقريزي، والسيوطي، والبلقيني وابن تغري بردي وابن حجر العسقلاني.

وقد امتاز العصر المملوكي بكثرة ما أنشئ فيه من المكتبات العامّة والخاصة، وكان أغلب السلاطين والعلماء والفقهاء والأدباء يتنافسون في جمع المخطوطات النادرة من كتب التفسير والحديث والفقه واللغة والطب والأدبيات ودواوين الشعراء. وقد تولّى إدارة المكتبات الإسلامية رجال هم في ذروة مجتمعهم حسباً ونسباً وعلماً وفضلاً وأدباً وأمانة وصدقاً؛ وتبع الأدباء في العصر المملوكي أسلافهم.

ومنحوا أنفسهم حرية واسعة في الخروج على تقاليد أهل المقامات، وكتبوا في الوصف والغزل والعظة، وألوان من العلم، وضرب من الفكاهة والتسلية، فنجد أنّ كثيراً من الأدباء أنشأوا المقامات ومنهم: الشاب الظريف وابن الوردي والصفي الحلي والصلاح الصفدي والشهاب القلقشندي، وابن حجة الحموي، وجلال الدين السيوطي.ل

م يكن الشعراء في العصر المملوكي تقليداً صرفاً للقدماء، لقد قلدوهم في الأغراض التقليدية، ثم أضافوا فنوناً شعرية جديدة اقتضتها ظروفهم التي عاشوها وبيئتهم وثقافتهم وأحوال حكامهم ومعاصريهم، لقد استخدموا الفكاهة والسخرية على نطاق واسع، وهذه من مميزات ذلك العصر.

ويمكن أن نضيف الشعر الديني الذي كان لـه منزلة خاصة في نفوس المجتمع، فقد لقي عناية فائقة من الشعراء في عصر اتسم بالجهاد ضد الغزو الخارجي من جانب، وعصر قام فيه الحكام بحماية الدولة الإسلامية والدين الإسلامي من الأخطار الخارجية التي كانت تهدده.

 

 

 

الكتاب: الحياة الفكرية في العصر المملوكي الثاني

تأليف: د. أحمد شامخ

الحميد العنزي

الناشر: وزارة الثقافة

الهيئة العامّة

السورية للكتاب

دمشق 2010

الصفحات: 592صفحة

القطع: المتوسط