الفرد هيتشكوك أحد أشهر المخرجين في تاريخ السينما كله. إنه شهير جدا لكن لا تزال تحيط بحياته الكثير من الأسرار، مثل أعماله السينمائية. والكاتب الأميركي "باتريك مكغيليكان" الذي قدّم سير حياة عدد من أعلام السينما الأميركيين، يلقي في هذا الكتاب الذي وجد ترجمته إلى العديد من اللغات، بما فيها الفرنسية، الضوء على حياة الفرد هتشكوك الذي يراها مزيجا من الظلال والضوء"، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.

إن المؤلف يقدّم سيرة حياة الفرد هتشكوك على أساس الفترات الأساسية التي عرفتها مسيرته كلها منذ ولادته عام 1899 وحياته في لندن حتى عام 1929 ثم سنوات ما بين عام 1929 وعام 1939 لتبدأ بعد ذلك مرحلة هوليود الأولى حتى عام 1947 لتبدأ سنوات "بارونات" الإنتاج السينمائي التي استمرّت حتى عام 1960 ليصبح الفرد هتشكوك بعدها "مواطنا عالميا" بامتياز. هذه المراحل تتناظر مع عناوين أقسام هذه السيرة التي تتجاوز عدد صفحاتها 1100 صفحة.

يبين باتريك مكغيليكان كيف أن أحد أكبر السينمائيين في التاريخ كله قد مزج في أعماله قدرا كبيرا من "الغرابة" ومن "الذكاء" بالوقت نفسه. ويؤكد أن فهم أسرار أعماله يتطلّب العودة إلى مراحل طفولته "التي لم يتم سبر أغوارها إلاّ نادرا جدا" ؛ في تلك الطفولة توجد "المرحلة الجنينية" لمصادر إلهامه.

وإلى تلك الفترة أعاد في إحدى مقابلاته القول ان والده كان يعمل بائعا للدجاج والخضار ومن هنا أتى "كرهه الشديد للبيض" ويعلن أن "رائحة البيض المسلوق" هي أكثر رائحة يمقتها. ومن هنا استطاع أن "يثأر" منها في أفلامه.

يؤكد المؤلف القول أيضا أن أحد "مفاتيح" فهم شخصية الفرد هتشكوك يتمثّل في علاقته مع النساء، ومصادر أخرى للفهم يتم تحديدها بعلاقته مع المال ومع عالم السينما ومع العاملين فيه. يتم في إطار البحث عن المكونات الأساسية لشخصية هتشكوك، قبل كل شيء في مساره المهني، السينمائي، الذي استمر طيلة ستة عقود من الزمن قدّم خلالها أكثر من 60 فيلما سينمائيا عرفت شهرة عالمية بأغلبيتها العظمى وفي مقدمتها فيلم "الطيور" الذي يعتبره النقاد السينمائيون من "أمّهات الأعمال السينمائية".

ويتم تقديم الفرد هتشكوك في هذه السيرة من خلال ثلاثة أبعاد أساسية. البعد الأول من حيث أن كل شيء كان محسوبا في عمله. والبعد الثاني هو أنه كان المخرج الذي يعامل الممثلين العاملين معه بكثير من الصرامة بل والقسوة. لكنه لم يكن بعيدا عن دفع العديد منهم إلى الأمام من أمثال غاري غرانت وجيمس ستيوارث وانفريد برغمان وغريس كيلي. البعد الثالث يتم تقديمه من خلال أنه كان "الميّال باستمرار إلى الإثارة" والبحث عن معرفة مدى تأثيره على جمهوره عبر استخدام مزيج من "الجنس والعنف".

لكن إلى جانب هذا المسار المهني يقدّم المؤلف الفريد هتشكوك "الإنسان" من خلال حياته الخاصة وأنه كان "رومانسيا حالما" و"مارقا لا يملك أدوات تحقيق مشاريع جنوحه" و"زوجا مخلصا". ولكن قبل كل شيء كان إنسانا ضحّى بحياته كلها من أجل عمله ؛ ومن المراحل التي تركت آثارها على شخصية هتشكوك وفي أعماله يشير المؤلف إلى فترة شبابه الأولى التي أمضاها في عدد من المدارس الكاثوليكية التي احتفظ منها، كما عبّر مرات عديدة لاحقا، بذكريات "غاية في السوء والرعب" بسبب "العقاب الجسدي" الذي كان يناله وحيث عانى أثناء ذلك من "السمنة".

كان هتشكوك قد حضر بـ"محض الصدفة" في برلين تمثيل أحد أكبر أفلام السينما في التاريخ، أي "آخر الرجال" لمخرجه "مورنو". من ذلك الفيلم الذي أثّر فيه طيلة حياته استخلص هتشكوك أحد الدروس التي طبّقها في فنه كله ومفاده أن "التقنية والإضاءة والموسيقى" هي الأهم في العمل السينمائي. من هنا كان يحرص على "ضبط" كل التفاصيل الصغيرة في أفلامه بحيث لم يكن يترك أي شيء للصدفة. وبعدها كان إعداد الفيلم "عملا شكليا".

ما يؤكده المؤلف هو أن الفرد هتشكوك مارس تأثيرا كبيرا على جيل كامل من السينمائيين مثل المخرجين الفرنسيين فرانسوا تروفو الذي كرّس "كتاب حوارات" وكلود شابرول. وبكل الحالات حافظ هتشكوك على "أفكاره الغريبة" و"الساخرة" في أغلب الأحيان. ذلك إلى جانب إظهاره قدرة كبيرة على التأقلم مع نمط الحياة الأميركي "دون أن يفقد روحه الإنكليزية"، كما يشير المؤلف.

وإذا كان هتشكوك قد حقق نجاحا مستمرا، فإن المؤلف يؤكّد القول أن "التراجع" الوحيد الذي يمكن القول به كان عندما حاول في نهاية مساره السينمائي خلال السنوات الأخيرة من عمله أن "يتطوّر" بحيث جاءت أفلامه الأخيرة مخيّبة قليلا. وذلك أصابه هو نفسه بـ"خيبة كبيرة" ؛ هذه السيرة ربما هي الأكثر اكتمالا عن السينمائي الأكثر إبداعا و"غير المفهوم جيّدا" في تاريخ السينما كله.

 

الكتاب: الفرد هتشكوك

تأليف: باتريك مكغيليكان

الناشر: اكت سود - باريس- 2011

الصفحات: 1127

القطع: الصغير

 

 

Alfred Hitchcock

Patrick McGilligan

Acte Sud - Paris- 2011