يحظى واد ديفيس بشهرة عالمية كأحد دارسي ثقافات الشعوب والمعتقدات في العالم. وهو يؤكّد باستمرار أن المحافظة على هذه الثقافات والمعتقدات مهمة بالنسبة لحياة البشر مثل أهمية النباتات والكائنات الحيّة الأخرى. وفي كتابه الأخير «ظلال في الشمس» يدرس ما يعتبره «رحلات إلى مشاهد العقل والرغبة».
إن المؤلف يتعرّض لـ14 رحلة، أو 14 مغامرة، كان قد قام بها إلى شعوب مختلفة تشمل «صيادو القطب الشمالي» و«النمر المرقّط» و«في غابات الأمازون» و«فنون الشفاء عن طريق السحر» و«شجر الصبّار» و«في ظلال الأرز الأحمر» و«نهاية الريح» و«عواطف في الصحراء» و«السواد الأبيض» و«دم الغابة الأبيض»، كما تقول عناوين الفصول.
ومن هذه الرحلات- المغامرات كلها يخرج المؤلف بالقول: «إذا كانت هناك دروس وعبر قد استخرجتها من أسفاري، فهي أن التنوّع الثقافي والبيولوجي يتجاوز أساس الثبات والاستقرار في العالم. إنه يتعلق بالإيمان ويمثّل حقيقة أساسية حول ما ينبغي أن تكون عليه الأمور. لكن هناك النار الحارقة في الأرض والتي تقضي على النباتات والحيوانات والثقافات واللغات والكفاءات القديمة وحكمة النظر إلى المستقبل. هذه الشعلة واختراع شعر التنوع من جديد يمثّلان التحدي الأكبر في حقبتنا».
يبين المؤلف كيف أن جميع الأمكنة التي زارها والشعوب التي أمضى وقتاً بينها تلتقي كلها في كون أن البشر الذين قابلهم لا يزالون يعيشون في حالة وئام وتناسق كاملة مع الأرض والطبيعة المحيطة بهم. ذلك بنوع من الطمأنينة «الروحانية» التي تجلب الهدوء لحياتهم مهما كانت المصاعب التي يواجهونها. وذلك أيضاً مهما تباعدت المسافات الجغرافية بين البشر المعنيين. وإذا عاشوا في جبال الهملايا أو في منطقة القطب المتجمّد الشمالي أو في قلب الغابات الاستوائية الأمازونية.
يكتب المؤلف بأسلوب فيه قدر كبير من الحساسية التي تعكس إلى حد كبير المشاهد التي يقوم بوصفها. لغة بسيطة «بكر» بعيدة عن الصنعة مثل تلك المشاهد التي لا تزال تحافظ على «عذريتها» الأولى. وبهذا المعنى أيضاً يحاول المؤلف صياغة نوع من «الدعوة» للزيارة، الوجدانية على الأقل، من خلال «رحلات إلى مشاهد العقل والرغبة»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. ذلك أن المناطق «الصغيرة» المعنية لا تزال «حيّة على الصعيد الروحاني» ولكنها «مهددة باجتياح الصناعة».
أما «مفهوم» المغامرة فإن المؤلف يجده من خلال محاولة «ولوج» أسرار أساليب حياة الشعوب "البدائية" المعنية والتي لا تزال بعيدة عن الاهتمام بمعطيات الحضارة الحديثة. وتجد المغامرة، بالمعنى الذي يطرحها فيه المؤلف، تجسيدها بطريقة "التداوي" عن طريق التعاويذ والقلادات في مناطق أميركا الجنوبية، أو في قصة النضال التي يخوضها شعب "بورنيو" من أجل إنقاذ الغابات الاستوائية المهددة بالانقراض، وغير ذلك. في المحصلة "المغامرة" عبر محاولة القيام بعملية تقييم شاملة للثقافات المحلية لمختلف الشعوب وللإطار "الطبيعي" الذي لا يزال يحتضنها.
يؤكد المؤلف بأشكال مختلفة أن هناك رابطة عضوية بين "التنوّع الحياتي-البيولوجي" وبين "التنوع الثقافي" في العالم. هذا مع الإشارة أن مثل هذا "الترابط" لايزال غائبا إلى درجة كبيرة عن مختلف الدراسات الخاصة بثقافات العالم. خاصة في ظل محاولة فرض ثقافات سائدة بعينها على مختلف الشعوب باسم القيم الكونية يونيفرسال. وعبر التأكيد على مثل هذه الرابطة يؤكد المؤلف أيضا على ضرورة المحافظة على "ما بقي من الطبيعة المتوحشة"، هذا بمعنى الطبيعة التي لم تتعرّض لغزو الصناعة.
ولعلّ من أهم الأفكار التي يؤكد عليها المؤلف التأكيد على ضرورة "الاحترام العميق" لأماكن عيش التجارب الشعوب المعنية بالدراسة. ذلك أن هؤلاء لا يزالون "يتذوقون" جمال بعض "الأحداث المبهمة الأسطورية- الشعرية"، كما يعبّر مثل النظر لـ"فصل الربيع" على أنه "هدايا الأرض" لأولئك الذين يتأملونها زمنا طويلا. هؤلاء يمثلون، إلى هذه الدرجة أو تلك، ما تتم تسميته بـ"فجر الثقافات".
"إن أحد أكبر متع الرحلة وأكثرها كثافة تتمثل في العيش بين أولئك البشر الذين لم ينسوا طرق العيش القديمة، والذين لا يزالون يستشعرون ماضيهم في الريح وفي ملمس الأحجار التي صقلها المطر، وفي تذوّق طعم أوراق النباتات المرّة"، تقول أحد جمل الكتاب ذات الدلالة الكبيرة على محتواه.
الكتاب: ظلال في الشمس
تأليف: واد ديفيس
الناشر: امبرنت انكناون نيويورك ذ 2010
الصفحات: 320
القطع: المتوسط
Shadows in the sun
Wade Davis
Imprint Unknown- New York- 2010
320
