يبيّن رايمون فيكيري في كتابه (النسر والفيل) الكيفية التي تؤثر فيها العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والهند على المسائل ذات الطابع الإستراتيجي. وعلى رأس هذه المسائل التعاون بين البلدين على صعيد "الحقل النووي المدني" و"مكافحة الإرهاب" و"إنتاج الطاقة" و"حماية البيئة"، كما يُستشف من عناوين بعض فصوله.

كذلك يدرس المؤلف عددا من "نماذج التعاون الناجحة" أو التي "لم تحقق ما كان منتظرا منها. والتداخل بين عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية" في البلدين ودور القوى الفاعلة الرئيسية في مختلف ميادين التعاون.

يعتمد المؤلف في تحليلاته قبل كل شيء على تجربته الخاصة في مجال التعاون الاقتصادي الأميركي ـ الهندي. ويقدّم الكثير من المعلومات الصادرة عن دوائر رسمية أو مستقاة من مصادر صحفية ومن مقابلات مع مسؤولين أميركيين أو هنود. هذا مع التأكيد على "التداخل" بين ما هو اقتصادي، أو تجاري بحت، وبين ما هو إستراتيجي. ويخلص إلى نتيجة مفادها أن "الالتزام الاقتصادي يشكّل محرك التعاون الإستراتيجي" حسبما يشير عنوان الفصل الأول من الكتاب.

ويؤكد المؤلف منذ بداية تحليلاته أن النخبة السياسية الهندية تولي اهتماما كبيرا، منذ عقود، لتنشيط العلاقات مع الولايات المتحدة. و"علينا نحن الأميركيون أن نكون كذلك أيضا". هذا مع الإشارة أن المسؤولين الهنود ينظرون بكثير من "الحذر" حيال العلاقات الأميركية-الصينية وإمكانية أن تولي واشنطن الأولوية للعلاقة مع بكين .

وليس مع نيودلهي. وهناك مصدر "حذر" آخر يتعلق بباكستان، الخصم "التاريخي" للهند، ذلك على خلفية أن مساعدة الولايات المتحدة على تدعيم قوة باكستان لا تصب في مصلحة الهند من جهة، وقد تغذّي "النزعة الحربية" من جهة أخرى. يضاف إلى خانة "الحذر" أيضا ما يبديه عدد من المسؤولين الأميركيين من مواقف "عدائية" حيال البرنامج النووي الهندي، بل و"يشككون بشرعيته".

ما يؤكد عليه المؤلف هو ضرورة أن تتعامل الولايات المتحدة مع الهند على أنها "الشريك الأكثر أهمية" لها في القارة الآسيوية. ذلك على خلفية تبنّي الأمتين لـ"القيم الديمقراطية".

بينما تتميّز الصين بوجود "سلطة استبدادية" متمثلة في الحزب الشيوعي الصيني. ويبلغ عدد سكان الهند اليوم 1,2 مليار نسمة وتدل مختلف الدراسات الديموغرافية أنها سوف تتفوّق على الصين بعد فترة قصيرة لتصبح البلاد الأكثر سكانا في العالم. وعلى عكس البلدان الآسيوية الأخرى تتميّز الهند أنها تمتلك نسبة 55 من الشباب الذين تقلّ أعمارهم عن الـ25 سنة. النتيجة المباشرة لمثل هذا الواقع هي أن الهند أحد أكثر البلدان الصاعدة "دينامية".

بكل الأحوال يركز المؤلف في تحليلاته على القول أن فترة إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون قد ساهمت بشكل فعال في "استخدام الاقتصاد لتنشيط العلاقات السياسية" بين الولايات المتحدة والهند. ويؤكد أن تلك "الفترة الجنينية" لمسار تنشيط العلاقات الاقتصادية كانت هي الأساس الذي قام عليه بعد عقد من الزمن، أي خلال فترة إدارة جورج وولكر بوش، الاتفاق النووي مع الهند وإرساء قواعد حقبة جديدة من التعاون الإستراتيجي بين البلدين.

لقد تمّ توقيع الاتفاق النووي المعني في الأيام الأخيرة من فترة إدارة بوش الابن. وكان التقدم إلى الأمام مطلبا مزدوجا، ذلك تطبيقا لقاعدة مفادها: "إذا لم نتقدم فنحن نتراجع إلى الوراء"، كما يعبّر فيكيري. ومن سبل التقدّم التي يشير لها "التبادل الحر للمعلومات والخدمات" لتعزيز العلاقات أكثر فأكثر في المستقبل القريب. هذا خاصة أن البلدين يملكان قدرات مثبتة في مختلف فروع التكنولوجيات التي أنتجتها ثورة المعلوماتية والاتصالات.

يدرس المؤلف "ثماني حالات" عيانية للتعاون الأميركي-الهندي. حالات عرف بعضها الفشل مثل المفاعل الكهربائي "دابول-انرون" لمحاولة إنتاج ما يسمّى بـ"الطاقة النظيفة". ولكنها عرفت أغلبيتها نجاحا كبيرا، خاصة في ميدان الأمن الغذائي، أو في ميدان مكافحة مرض نقص المناعة المكتسب "الايدز". هاتان التجربتان تحظيان بفصلين من فصول الكتاب العشرة.

في محصلة التحليل، وفي سياق المقارنة مع الصين يكتب المؤلف: "في الهند يتساءل البشر غالبا عن الأسباب التي تجعل الصين أكثر جذبا للولايات المتحدة. الأمور واضحة ويكفي النظر إلى أرقام التجارة الأميركية-الصينية لنجد أنها تبلغ ثلاثة أضعاف مما هو مع الهند".

 

الكتاب : النسر والفيل، المظاهر الإستراتيجية للعلاقات  الاقتصاد بين الولايات المتحدة والهند

تأليف: رايمون فيكيري

الناشر: جامعة جون هوبكنز - 2011

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

The eagle and the elephant

Raymond E. Vickery

John Hopkins University Press- 2011