يحاول كتاب (وجوه من زمن النهضة) لمؤلفه إبراهيم العريس التعريف بفكر النهضة العربيّة الممتدّة من أواسط القرن التاسع عشر وحتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، ولاسيما تعريفه بالاتجاهات الفكرية المتنوّرة التي سادت الحياة الثقافية العربية في تلك الفترة الزمنية الواعدة من تاريخنا العربي الحديث.

ولعلّه في هذا السياق يتميّز في منهجيّته التي تناولت حيوات وأفكارا ومواقف ورؤى عدد من المفكرين العرب الأكثر تنوّراً، وصهرها من ثمة في مزيج مبدع، يُدخل القارئ، على اختلاف مستوياته التعليميّة والثقافيّة، في صلب هذه الشخصية وإطارها البيئي والثقافي والاجتماعي والسياسي، وذلك من ضمن جدلية الخاص والعام، والفردي والمجتمعي، والذاتي والعمومي.

هذه القراءات في وجوه شخصيات نهضوية فذّة، بدءاً بالطهطاوي، والأفغاني، والكواكبي، ومروراً بعلي مبارك، ورشيد رضا، وخير الدين التونسي، وجرجي زيدان، وشكيب أرسلان، وأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومحمد كرد علي، وطه حسين، وعباس محمود العقــاد، وتوفيق الحكيم، وفاطمة اليوسف.

وانتهاءً بيحيى حقي ونجيب محفوظ، هذه القراءات إذاً، ارتدت قالب السهــل الممتنـــع، ســـواء من حيث الأسلوب أم المضمون، خصوصاً أن المقارنة والنقد والتحليل والملاحظة وغيرها من أدوات المنهج العلمي الاستقرائي توارت خلف الأسلوب البسيط، غير الزاخر بالتعابير والمصطلحات الأكاديميّة أو العلميّة الصارمة؛ فجاء الكتاب عبارة عن خلاصـــة ما جـــاء به الفكر النهضوي العربي.

يشدّد المؤلف على أن ما قدّمه النهضويون كان درساً في الّلجوء إلى العقل، كما يشدّد على عروبة النهضويين. فكان الكواكبي، الذي اعتبر أن العرب رواد الإسلام وممثلوه الأكثر نقاء، يعلن أن الخلافة ينبغي أن تكون لهم، وأن تستعاد من العثمانيّين غير الجديرين بها.

السلطنة وحدها قد تكون جديرة بهم. وعبر هذا الكلام الذي كان فريداً من نوعه في ذلك الحين، يظهر اهتمام الكواكبي بإعادة الاعتبار إلى الجنس العربي الذي كان فقد الأسبقية في الدولة الإسلامية منذ عهد الأمويّين، وبهذا المعنى عبّر «عن يقظة الوعي لدى العرب، لكن هذا لا يمكن أن يتمّ إلا عبر الإسلام:

أي أن الكواكبي، في كلمات أخرى، لا يعبّر بصورة مباشرة عن مطلب عربي خالص بل عن مطلب إسلامي: إنه في سبيل إعادة الاعتبار إلى الإسلام في عظمته الأولى يقترح أن تعود الخلافة إلى الجنس الذي كان جعل للدولة الإسلامية تلك العظمة».

يتتبّع المؤلف الرؤية العصرية لهؤلاء النهضويّين، وتجلّى ذلك في «طبائع الاستبداد» للكواكبي الذي رأى في هذا الاستبداد أو الطغيان واحدة من المعضلات الأساسية التي تقف ضدّ نيل الإنسان حريته، وأن الحل الأمثل والأكثر اعتدالاً للتخلص منه ليس معارضته بالقوة، بل بالقدرة.

وقبل ذلك تهيئة نظام بديل له، لئلا ينتهي الأمر بأن تنتفض أمة ضدّ المستبد، فيما هي لا تنتفض في الحقيقة ضدّ نظام الاسبتداد نفسه، بما يؤدّي إلى إحلال مستبد محلّ مستبد آخر؛ والحلّ الوحيد في طريق التقدّم بالنسبة إلى الكواكبي، هو الوعي الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق العلم.

يؤكد المؤلـــف إن عدداً من الباحثين يرى تشابهــــاً كثيراً بين كتابات الكــواكبي هذه وبين أفكـــار كانت متداولة، ولا سيما في الفكر الإيطالي في ذلك الحين. وهذا ما يضعنا مباشرة في صلــب النظريـــة التي تقــول إن علاقة الكواكبـــي بالإيطاليّين الاشتراكيّيـــن كانـــت كبيرة وحاسمة.

 وهو أمر كان عباس محمود العقاد، في كتابه عن الكواكبي، قد نبّــــه إليـــه مشـــيراً إلى التطابـــــق بين أفكـــار «طبائـــع الاستبــــداد» وأفكـــار جماعة «الكاربو نـــاري» الإيطالية، بل إن العقاد يرى أن الإيطاليّيـــن هم الذين ســاعدوا الكواكبي على مغادرة حلب، بعد محاولـــة اغتيال قنصل إيطاليا فيها(...) فهل تراه كان، في ذلك الوقت، يخـــوض مهمـة معيّنة؟».

ثم يستخلص المؤلف إن الفرضية ممكنة وقابلة للتصديق، إذ لا يعقل لرجل فعل ما فعل الكواكبي وكتب ما كتب، أن يكون وحيداً، مغامراً، ينتقل من تلقائه ومن دون سند. ويتابع أن هذا الكلام لا يعني أن الكواكبي « كان ينفّذ سياسة إيطالية أو يروّج لها في المنطقة، بل على العكس.

فإذا صحّت النظرية، كان يحاول أن يستفيد من الدعم إلى الحدود القصوى، حتى يصل إلى غايته التي هي في نهاية الأمر غاية عربية... إسلاميـــة تنويريـــة. وهذه الغايـــة نجدها متجلية بشكل واضح في «أم القرى»، إذ في هذا الكتاب يطلّ الكواكبي واعياً ورائداً وعربياً خالصاً من دون أي غموض».

 

 

 

 

الكتاب : وجوه من زمن النهضة

تأليف : إبراهيم العريس

الناشر: مؤسّسة الفكر العربي ــ بيروت 2011

الصفحات : 216 صفحة

القطع: المتوسط