السمة الرئيسية لتاريخ مولدافيا كله، كما يحددها المؤلفان، هي أنه كان على غاية الاضطراب بحكم أن البلاد كانت موضع أطماع قوى كبرى متعددة تمثّلت في الإمبراطورية العثمانية والنمسا وروسيا وحيث كان الروس قد تولّوا إدارة المنطقة لفترة تزيد عن قرن من الزمن.وفي السياق التاريخي الراهن تجد البلاد نفسها "على هامش" الاتحاد الأوروبي من جهة ، و"على تخوم"روسيا ،وريثة الإمبراطورية السوفييتية السابقة.

كانت مولدافيا مقاطعة رومانية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين ليتم ربطها بعد ذلك بالاتحاد السوفييتي؛ والبلاد تحمل اليوم وزر ذلك الإرث وتحاول بالوقت نفسه أن تجد صوتها المستقل في العالم الحديث. ذلك أن جمهورية مولدافيا الحالية هي وريثة مباشرة للجمهورية السوفييتية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية وحيث حاولت موسكو صبغها بالصبغة الروسية عبر آليات مختلفة كانت في مقدّمتها محاولة تعميم اللغة الروسية.

يدرس المؤلفان التاريخ والواقع المولدافي الراهن من زاويتين رئيسيتين. ماتيي كازاكو يبحث بالتحديد في تاريخ مولدافيا كي يخرج منه بالقول إن هذه البلاد كانت باستمرار ذات أهميّة جيوسياسية كبيرة . ذلك خاصّة بالنسبة للإمبراطوريات الشاسعة التي أحاطت بها .

يضاف إلى هذا علاقتها المعقّدة باستمرار مع رومانيا المجاورة. بل ويركز على القول إن هذه البلاد الصغيرة لها تاريخ في غاية التعقيد بسبب موقعها ، فالجغرافية هي التي تصنع التاريخ أو تمثلّ على الأقل عاملا مهما في صناعته.

أمّا نيكولا تريفون فيستخدم كفاءاته في علوم "اللسانيات" للخوض في النقاش الواسع والمعقّد الخاص بمسألة اللغة التي تجتاح المجتمع المولدافي. وهو يطرح العديد من الأسئلة التي توضّح طبيعة هذه المسألة مثل : هل هناك لغة مولدافية مختلفة عن اللغة الرومانية التي تؤكّد مواقعها في مواجهة اللغة الروسية؟. ما هي المكوّنات السكانية في البلاد التي تمارس كل لغة من اللغات؟

ويؤكّد في محاولة الإجابة عن مثل هذه الأسئلة أن اللغة شكّلت ميدان تنازع حقيقي فيما يتعلق بتحديد الهوية المولدافية. هكذا يبيّن في دراسته للغات الشفهية التي يتحدث فيها سكان البلاد أن الاتحاد السوفييتي حاول إقصاء اللغة الرومانية عبر العودة إلى الأبجدية "السيريليكية"، أي التي كانت تستخدمها الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية في القرون الماضية.

تتم في هذا السياق دراسة مواقف القوى السياسية المولدافية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الذي حكم خلال سنوات 2001 ـ 2009 بعد أن كان محظورا خلال فترة 1991 ـ 1994. ويتم تحديد القول إنه الحزب الوحيد الذي حكم تحت هذه التسمية منذ انهيار النظام الشيوعي السوفييتي.

هذا التيار السياسي يجسّد، حسب التحليل المقدّم ،"نزعة استقلالية" تناهض أي أفق يقول بإعادة التوحيد مع رومانيا. وبالمقابل يطالب بعلاقات مرنة مع "الأخ الروسي الكبير" ومع بلدان الاتحاد الأوروبي. يُشار هنا إلى أن شريحة مهمّة من المولدافيين تحلم بالاندماج الكامل في إطار الاتحاد الأوروبي الذي يستبعد حاليا بشكل قاطع مثل هذا المنظور ويكتفي بتوجيه علاقاته مع مولدافيا نحو الوصول إلى "علاقات حسن جوار".

المسألة التاريخية ومسألة اللغة والنقاشات الدائرة حولها تأخذان الحيّز الأكبر من تحليلات هذا الكتاب. وعبر الخوض في هاتين المسألتين يبيّن المؤلفان حقيقة راسخة في مولدافيا وهي أن البلاد تعيش باستمرار حالة من الشك حول هويتها بعد عشرين سنة من إعلان استقلالها . والتأكيد أن هذا البلد الذي يتم تصنيفه أنه من بين البلدان الأوروبية الأكثر فقرا لم يجد حتى الآن مكانه على خارطة "القارّة القديمة"، كما يتم توصيف أوروبا عامّة.

يبقى السؤال الكبير والجوهري المطروح على عموم المولدافيين والذي تتم صياغته في الكتاب كالتالي:"ما العمل عندما يؤمل في ممارسة وظيفة سياسية في دولة تحوم الشكوك حول أسسها وحول إمكانية استمرارها؟

 

 

 

الكتاب: جمهورية مولدافيا دولة تبحث عن أمّة

 

تأليف: ماتيي كازاكو ونيكولا تريفون

الناشر: نون ليو - باريس- 2011

الصفحات: 448

القطع: المتوسط

 

 

 

La republique moldave

Matei Cazacu , Nicolas Trifon

Non lieu - Paris- 2011

448