ترددت كثيرا مقولة أن العالم يعيش اليوم "عصر السرعة". وهذا ما يسميّه الباحث الفرنسي ، ومدير مركز "جان جوريس" للأبحاث بـ "عصر الاستعجال" ويكرّس له كتابا تحت عنوان "دكتاتورية الاستعجال".
النقطة التي ينطلق المؤلف منها هي أن القاسم المشترك في أحاسيس البشر في العصر الحاضر ،وخاصّة في المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة ، هو أن الحياة محكومة بـ " الإيقاع السريع " وبعيش اللحظة الراهنة . هذا ما يبدو بوضوح على صعيد وسائل النقل وأوقات الفراغ والصحّة ومختلف نواحي الحياة الشخصية .
وأيضا على صعيد الحياة المهنية حيث هناك ضغوط متعاظمة على خلفية تحقيق إيقاع مكاسب أكبر وأسرع . والأخطر من هذا وذاك أن مثل هذا المبدأ مطبّق على صعيد الحياة العامّة أيضا . بل إن المحاكم نفسها تصدر أحكامها في حالات كثيرة على أساس إجراءات "مستعجلة".ولا يتردد المؤلف في الخروج من هذا كلّه بنتيجة أساسية هي أن العلاقة الجديدة للبشر مع الوقت تمثّل أحد الأسباب الأكثر عمقا في مختلف الآلام التي يعاني منها البشر في الحقبة الراهنة.
يشرح المؤلف أن إعادة التأمّل والتفكير بالعالم الراهن وتجاوز الأزمات العديدة والعميقة التي تواجهها الإنسانية عامّة والمجتمعات المتقدمة ،تقتضي الخروج "مرّة واحدة وإلى الأبد " من "دكتاتورية الاستعجال". يكتب :" من المهم أوّلا إدراك أن البشر يخضعون لهذا الضغط الذي يمارسه الإيقاع السريع للحياة اليومية والمهنية والخاصّة . ومن المهم محاولة تغيير القواعد الجماعية من إمكانية مواجهة الأزمات القادمة بصورة أفضل ".
ومما يؤكّده المؤلف هو أن الأزمة المالية العالمية الراهنة لم تنتهِ بعد . ذلك على خلفية تأكيده أن العالم يواجه للمرّة الأولى أزمة شاملة بعد تلك التي كان قد واجهها في عام 1929. ثمّ أنها ليست مجرّد أزمة مالية وأزمة اقتصادية ولكن أيضا أزمة اجتماعية ستنتج قدرا أكبر من العاطلين عن العمل في العديد من البلدان. هذا مع الإشارة أنه كان في نهاية عام 2009 ما يزيد عن 100 مليون عاطل عمل إضافي في العالم . كما يرى أن المخرج من نفق الأزمة الحالية لا يزال بعيدا.
يشرح المؤلف النتائج السيئة المترتبة على دكتاتورية السرعة . وفي مقدمّة هذه النتائج زيادة الضغط على المجتمعات المعاصرة ودفعها نحو تبنّي سياسات قد تكون وبالا على الأجيال اللاحقة . إن صفة الاستعجال أصبحت تطبع حياة اغلب البشر اليوم بطابعها .
ويشرح أن هذا التبدّل في التعامل مع الوقت تظهر ملامحه على صعيد اتخاذ التشريعات والقوانين . ذلك أنها تكون في أغلب الأحيان نوعا من ردود الفعل .هذا بمعنى أن حدثا ما قد يقع فيجد في مواجهته بعد حين قانون . كما تتم عملية تبني القوانين النعنيّة دون مناقشات مستفيضة لمضمونها ولنتائجها . إنها بالأحرى موسومة بطابع الاستعجال من حيث التفكير فيها وسنّها وتبنّيها كي تصبح نافذة .
والسمة الغالبة في المرحلة السياسية الراهنة في فرنسا وغيرها من البلدان الغربية الاستهلاكية هي ضرورة أن تجري الأمور كلّها بسرعة أكبر ،بل وفي غالب الأحيان بـ "سرعة مفرطة".وبهذا المعنى أصبح الزمن ـ الوقت ـ هو عبارة عن تسلسل من اللحظات التي "تفتقر لأي عمق".
بتعبير آخر لم يعد للزمن أي "عمق تاريخي" ولا أي " تصوّر في المستقبل". هذا في الوقت الذي ينبغي فيه ممارسة السياسة بطريقة أخرى وإعداد الخطط الخاصة بتنمية البلاد ومسارات المستقبل على مدى عقد أو جيل في حساب الزمن.التاريخ يستخدمه رجال السياسة غالبا كـ "أداة" من أجل خدمة مصالحهم.
المحصّلة العامّة التي يصل إليها المؤلف هي تأكيده أن "دكتاتورية الاستعجال" توّجت تبدلا عميقا في علاقة البشر مع الزمن ـ الوقت.
الكتاب : دكتاتورية الاستعجال
تأليف: جيل فنشلشتاين
الناشر: فايار - باريس - 2011
الصفحات: 220
القطع: المتوسط
La dictature de urgenc
Gilles Finchelstein
Editions Fayard
ذ Paris- 2011
220
