شهدت سنوات حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك ظهور إرادة سياسية لدى الإدارة الكنسية، واجهت بها سلطة الدولة، وحلّت محلّها في شأن الأقباط الأرثوذكس في مصر.. حتى بدت الكنيسة القبطية ساعية نحو الانفراد والعزلة والسيطرة ؛ هذا ما يؤكده كتاب (الدولة والكنيسة) للمفكر المصري طارق البشري ؛ ويشير إلى أن أهم ما يتصل بالجماعة الوطنية الواحدة أنها تقوم عليها دولة واحدة تنبسط سلطتها على ا لجمع كله، فإذا انحسرت سلطات الدولة بهيئاتها عن فريق من الجماعة تكون قد انشقت، ولم تعد كيانًا واحدًا.

وأوضح البشري أنه أعدَّ سابقًا دراستين تتعلقان بمسألة وفاء قسطنطين (زوجة قس اختفت بعد إعلان إسلامها) وكيف ظهرت الكنيسة في هذه الأزمة بمظهر من يمارس سلطة الدولة على بعض رعايا هذه الدولة من المسيحيين.. ونقل في هذا الصدد عددًا من العبارات المتداولة بين الناس عن أن الكنيسة أصبحت دولة داخل الدولة.

وأنها (تورطت في تأكيد الخصومة مع عدد من أجهزة الدولة)، وأن (نشاط الإدارة الكنسية في السنوات الأخيرة من حكم مبارك تجاوز في العمل السياسي ما يمكن أن تصنعه الأحزاب السياسية)، ذلك أن هذه الأحزاب تدعو إلى سياسات ولا تنفذها، وتنشد الوصول إلى السلطة لكي تنفذ هذه السياسات من خلال أجهزة الدولة القائمة.

وأشار إلى أن صنيع الكنيسة في الحالات المذكورة انتزع من سلطة الدولة العديد من اختصاصاتها، ومارست الضغط على الدولة الضعيفة أصلا لتسلم إليها جزءًا من سلطتها.. وأضاف أن الكنيسة القبطية قبل حكم مبارك وحتى مجيء الإسلام مصر لم يكن لها هذه السلطة قط..

كما أنها في ظل النظام السابق حرصت على أن تكون هي المؤسسة القبطية الوحيدة دون تكوّن أو تشكيل قبطي آخر.. بمعنى أنها عمدت إلى مصادرة الشأن القبطي، واعتبرته شأنها الخاص ليس من الناحية الدينية الاعتيادية التعبيرية فقط، لكن أيضا من الناحية الدنيوية الخاصة بالحكم وممارسة الشئون الحياتية اليومية.

ولفت البشري إلى اعتراض رأس الكنيسة القبطية على العديد من الأحكام القضائية، ومنها حكم بأحقية زواج قبطي كان قد حصل على حكم سابق بالطلاق، وأوضح أن البطريرك برفضه التصريح بالتزويج لرافع الدعوى يكون قد «جاوز سلطاته المفوضة له بموجب قواعد شريعة الأرثوذكس» .

وأشار أيضا إلى تصريح للأنبا مرقص أسقف شبرا الخيمة، أكد فيه أنه «لا يوجد إنسان يستطيع إملاء قوانينه على الكنيسة». وشدد البشري على أن مسألة زواج المطلّق ليست بذات شأن في حجمها.. إنما الشأن كله في أنها استغلت من جانب الكنيسة وهيئاتها ورجالها لإعلان الخروج على الشرعية التي تقوم عليها أجهزة الدولة المصرية.

وانتقل البشري إلى المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة ومصدرها الرئيس للتشريع، موضحاً أنه عندما يُفسر أي قانون وتُستقرأ أحكامه لا ينظر إلى كل نص فيه على حدة، بل يفهم كل حكم بما يعنيه، ثم توضع أحكام القانون كلها جنباً إلى جنب..

لأن كل نص إنما يحد من إطلاق غيره، ولأن المعنى المستفاد من أي نص إنما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخرى، ولأن السياق هو الذي يضبط المعنى ويُظهر وجه التفسير، واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة.. والحكم الواحد تنكشف حدوده وضوابطه من موضعه من الأحكام الأخرى.. وهذا ما يطلق عليه تعبير «النصوص يفسر بعضها بعضاً»..

وأكد أخيراً أن الفقه الإسلامي يقر تعدداً في الآراء، وتنوعاً في الحلول في إطار ما تسعه نصوص الأحكام، وفي هذا التنوع والتعدد يعرف الفقهاء أن صاحب الولاية يمكن أن يرجح رأياً من هذه الآراء على رأي آخر، فيصير هذا الرأي الفقهي الملزم للجماعة.. وهو ما يدعم ويؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين، وغيره من المبادئ الواردة بالدستور بما لا يتعارض مع الشريعة.

 

 

الكتاب : الدولة والكنيسة

تأليف : طارق البشري

الناشر: دار الشروق

القاهرة - مصر

عدد الصفحات: 104

القطع: المتوسط