توسع ظاهرة الهجرة لاسيما من دول ما اصطلح على تسميتها بدول الجنوب نحو دول الشمال الأوروبية سواء بفعل عوامل اقتصادية، أو سياسية يعتبر من النتائج المباشرة لنظام العولمة ، حيث ترتب على هذه الظاهرة بروز جملة من المشاكل والتحديات بسبب التباين في الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية بين المهاجرين وسكان تلك المجتمعات.
وفي محاولة لمقاربة تلك المشكلات وتحليل أسبابها ونتائجها على حياة أولئك المهاجرين، يحاول كتاب الإسلام الأوروبي أن يستكشف آفاق ما يسميه بصراع الهوية والاندماج من خلال مجموعة من الباحثين العرب المقيمين هناك عبر اثني عشر محورا تبحث في مختلف جوانب ظاهرة ما بات يعرف بالإسلام الأوروبي .
ينطلق هيثم مناع في مقاربته لمسألة هامة تتعلق بوضع المسلمين في ظل الحرب على الإرهاب، من أن المسلمين مطالبين أكثر من غيرهم برفع راية الحريات والعلمانية المدنية وحقوق الإنسان بعد أن شهدت الأعوام بين 1978 و1982 توسعا للوجود الإسلامي ولأنماط التعامل المختلفة معه، لاسيما السياسي منه. لكن الهجرات البشرية التالية ساهمت في تغيير التركيب الطبقي والمستوى المعرفي وطبيعة العلاقة مع المجتمع الجديد. وبعد أن يكشف عن العوامل الجديدة التي ساهمت في تشكيلها يتحدث عن أزمة الهوية التي بدأت تعيشها المجتمعات الأوروبية على مستوى إعادة اكتشاف للذات وانعكاساتها.
وكذلك موقف بعض علماء الدين الإسلامي من الجيل الأول والثاني من المهاجرين من تلك القضايا والتحديات. وللتدليل على محاولات الاندماج في المجتمعات الأوروبية يستشهد بدعوة أكثر من 400 جمعية إسلامية تعد امتداداً لدعوات جمعيات أخرى للدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومحاولة ترسيخ قيم الاعتدال والاندماج بين المسلمين في الغرب.
من جهته يبحث حسين عبد القادر في أطوار الاعتدال والتطرف عند مسلمي أوروبا من خلال مقدمة تحليلية تركز على ظهور التوجهات الأيديولوحية لدى الأوروبيين والإسلاميين، تقوم على حصر الثقافة داخل إطار من الجمود عند الطرف الأول، في حين يرى بعض المسلمين في القيم الأوروبية اعتداء ثقافيا عليهم .
على الطرف الثاني يبدو أن عداء الإسلام قد مرَّ بمراحل عدة، إذ بعد أن كان في التسعينيات يقتصر على أوساط اليمين، أصبح بعد هجمات 11 سبتمبر منتشرا في أوساط العديد من الصحفيين والمثقفين. وهنا يتوقف عند ظاهرة ظهور الأصوليين المتزمتين في ضوء قراءته للإسلام بوصفه عنصر تقريب بين جماعات ذات أجيال ومستويات اجتماعية متقاربة في مرحلة شكلت فيها أوروبا أرضا خصبة، تروّج فيها الحركات الإسلامية المتطرفة لأفكارها في زمن الضغط المعلوماتي الإعلامي والثقافي.
ويؤكد الباحث أن التيارات الراديكالية الإسلامية تتوزع على حركة ( الديوبانديون) التي تقتبس حركة طالبان منها تقاليدها، و(البارليفيون) التي تتواجد في مساجد بريطانيا، و(جماعة التبليغ) ذات النزعة التقليدية المتزمتة والحركة السلفية الوهابية. وفي النهاية يبحث فيما يسميه الإسلام المتطرف وأهم منظري ومنفذي تلك الحركات.
ويطرح محمد الطيبي الإشكاليات المفاهيمية عند الإسلام الأوروبي رافضا أن يتم تفسير واقع الإسلام في أوروبا من باب الفتوحات الإيمانية أو نتائج حركة الدعوة السلفية والحداثية، بل من باب التحول المذهل في مجال الجغرافيا الدينية والجغرافيا الثقافية، مما يدفعه للتركيز على دور المثقف المسلم في أوروبا بحكم كونه مثقفا أوروبيا مسلما شأنه شأن المثقف المسيحي واليهودي هناك، حيث لا يرتبط إسلام أوروبا بالجوانب الروحية العقدية فقط، وإنما يتعداها إلى اقتحام فضاء عمومي تحكمه وتتحكم فيه ديانات تاريخية.
وينتقل من الحديث عن إسلام أوروبا إلى الحديث عن علاقة أميركا الرسمية مع هذا الإسلام بعد أن تحولت شيطنة الإسلام والمسلمين إلى منهج سياسي قائم بذاته، ثم يخلص إلى أن تغييب الخطب الفكرية والإعلامية لموضوع الإسلام تحت ذريعة التحالف اليهودي والكنسي الغربي لا يمنع من تحول قوانين اللعبة الحضارية بعد أن بدأت ترتسم ملامح الديني في العالم من خلال الإسلام الأوروبي وإسلام العالم العربي.
ويبحث يحيى اليحياوي في قضايا الإسلام الأوروبي من خلال صراع الهوية والاندماج الذي اتخذ صيغا مختلفة بعد أن عمدت السياسات الأوروبية إلى محاولة خلق إسلام رسمي قابل للإندماج، في حين ظل التعدد والتنوع هو السمة المميزة لهويات المسلمين الأوروبيين فالأتراك هم الأغلبية في ألمانيا والهنود والباكستانيون في بريطانيا والمغاربة في فرنسا، ما جعل الإسلام مكونا يتماهى السلم به مع الانتماء الإثني أو الوطني أو ما سواه. ويلحظ الباحث انبعاث إسلام يحاول التوفيق بين الاستقلال الفردي والإيمان بوجود منظومة فوقية يجب التعامل معها، الأمر الذي يجعل الإسلام في هذا السياق يتجاوز كونه ديناً للتعبد إلى جعله تراثا ثقافيا يحيل على انتماء عربي/إسلامي .
ويلخص التوجهات القائمة في أوروبا بثلاثة توجهات الأول يعتقد بأن ثمة تحولات ستؤدي بصورة تدريجية في الطقوس والسلوكيات الثقافية للإسلام دون مواجهة أو صدام مع أحد بحيث تتطابق الممارسات والسلوكيات مع المحيط الأوروبي، والثاني وجود مؤسسات تمثيلية للإسلام في كل بلد أوروبي، في حين أن الثالث هو غياب الشجاعة النظرية والجرأة الدينية والفلسفية على إفراز إسلام أوروبي ينتج ثقافة إسلامية جديدة. الباحث الجزائري بومدين بو زيد يدرس علاقة مسلمي أوروبا بالديني والعلماني انطلاقا مما يراه من ميل الإسلام الأوروبي الليبرالي نحو العقلانية والتركيز على بناء قيم عالمية مشتركة بين جميع البشر.
كما كان الحال في البيان الذي أصدرته نحو أربعمائة منظمة إسلامية في أوروبا في مؤتمر بروكسل عام 2008 والذي دعا إلى قيام التفاهم وحسن التعايش والاعتدال وحوار الحضارات . كذلك يعرض للنعوت الجديدة للإسلام وللخوف المستقبلي عند مسلمي أوروبا في ضوء تزايد الوجود الإسلامي في أوروبا وما يطرحه لدى البعض من تخوف على صعيد تمزق المجتمعات الغربية .
وتحاول دراسة عبد القادر بو عرفة من الجزائر مقاربة معوقات التحاور والتجاور بين الإسلام والغرب في ضوء إشكالية منهجية يطرحها منذ البداية وتتعلق بالمعنى المقصود بالإسلام وبالغرب. ولفهم تلك الإشكالية يقدم مدخلاً تاريخياً يستشرف فيه أبعاد تلك العلاقة ثم يحاول تقديم تحليل لإشكالية فهم الغرب للإسلام من خلال سؤال الشرق الذي يطرح نفسه على الغرب، وسؤال الغرب الذي يطرح نفسه على المسلمين، كاشفا في هذا السياق عن معوقات الحوار بينهما وعلاقة الماضي باللاشعور الديني المعاصر .
الكتاب: الإسلام الأوروبي صراع الهوية والاندماج
تأليف: مجموعة من الباحثين العرب
الناشر: دار المسبار 2010
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
