برز عدد من المثقفين على صدر الصفحات الأولى من الجرائد وفي البرامج التلفزيونية والإذاعية خلال السنوات الأخيرة في فرنسا.

ونال هؤلاء شهرة كبيرة سمحت لهم أن يصوغوا ما يشاؤون من "أكاذيب" و"حقائق مزيفة" وتقديم معلومات خاطئة للدفاع عن هذه القضية أو تلك. هذا كله دون أن يأبهوا للآخرين ولآرائهم، ولدرجة أنهم أصبحوا يشكلون فئة "لا يمكن المساس بها" ؛ هؤلاء المثقفون المزيفون يطلق عليهم الباحث والكاتب الفرنسي، مدير مركز العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، باسكال بونيفاس تسمية "المثقفون المزيفون".

كما يقول عنوان كتابه الأخير.المعنيّون بهذه التسمية يحظون بـ"احترام" الجميع مهما قالوا، كما يقول باسكال بونيفاس. ويضيف أنه ليس هناك من "يتجرأ" على توجيه النقد أو التشكيك بما يقومون فيه من "تسويفات" مع الحقيقة. مثل هذا الموقف من هؤلاء المزيفين "المشاهير" يعتبره المؤلف بمثابة تهديد حقيقي للإعلام القائم على عكس الحقيقة وكذلك بمثابة تهديد على الديمقراطية ذاتها.

المثقفون "المزيفون" الذين يتعرّض لهم باسكال بونيفاس في هذا العمل هم من بين الأكثر شهرة في فرنسا اليوم. بل ويحظى بعضهم بشهرة على الصعيد العالمي من أمثال الفيلسوف برنار هنري ليفي الذي يتم وصفه بـ"سيّد ومعلّم المزيفين". ويتم اعتباره أنه "بطلا" في مجال السيطرة على "الإرهاب الفكري".

ومما يقوله المؤلف عنه أنه: "بدلا من مخاطرة أن يجد نفسه محصورا في زاوية ضيّقة بأي نقاش فكري، يستلّ سيف الأخلاق الذي يمكن أن ينهي أي معارض". ويحدد بونيفاس القول في موضع آخر أن برنار هنري ليفي لا يتردد في استخدام سيف "مناهضة السامية" من أجل إسكات خصومه.

ما يؤكده باسكال بونيفاس، هو أن 14 ناشرا رفضوا نشر مخطوط هذا الكتاب عن "المثقفين المزيفين". هؤلاء الذين يكذبون بوعي على الجمهور العريض ويظلّون مع ذلك نجوم وسائل الإعلام. ويشرح المؤلف أن بعض الناشرين "الجامعيين" وجدوا هذا العمل مثيرا للجدل.

واعتبر آخرون أنه يشكك بمؤلفين آخرين ينشرون لديهم أعمالهم. لكنه لا يتردد في القول أن بعض الناشرين الذين أكّدوا إعجابهم بالكتاب وأنهم يتفقون إلى حد كبير مع التحليلات التي يقدمها لكنهم لا يستطيعون بالمقابل "المخاطرة بنشره" تحت حجّة أنهم لا يريدون "إثارة غضب بعض الأقوياء في أوساط النشر والإعلام".

ويشرح بونيفاس أن فرنسا هي بلد للحريات عامة ولكن "الرقابة الذاتية" و"حماية الأقوياء" دون أخذ الاعتبار للجمهور العريض هي ممارسات شائعة وفاعلة. ذلك أنه هناك مجموعة من الوجوه "الفكرية" البارزة لا ينبغي التشكيك بما تقول. ولو كان ما تقوله هو مجرد "مغالطات" بعيدة عن الحقيقة والواقع.

ويؤكد المؤلف القول أن ما يقصده ليس الأخطاء التي قد يرتكبها البعض فالجميع قد يرتكبون الأخطاء، ولكنه يقصد "الأكاذيب الإرادية"، أي عن سابق الإصرار والتصميم. لكن أيضا بشرط واحد هو أن تذهب الأكاذيب التي تتم صياغتها بنفس الاتجاه التي تصب فيه الرياح السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية السائدة.

ذلك مثلا على غرار تبنّي خطاب يخلط بين الإسلام والإرهاب. وما يؤكده بونيفاس هو أن "الحقائق والأكاذيب تتساوى بالنسبة للبعض، وأنه لا فرق بين هذه وتلك". وبهذا المعنى اختار باسكال بونيفاس عنوانا فرعيا لكتابه يدل فيه على "الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب".

إن المؤلف يحاول الكشف عن المواقع الحقيقية التي يتبنّاها "مزيفو المعلومات" الذين يلبسون أقنعة المثقفين والباحثين. ذلك تحت غطاء "الأخلاق" حيث يعتبرون أنفسهم "حرّاسا" لهذه الأخلاق. لكنهم لا يتورعون عن تزييف الحقيقة من أجل خدمة غاياتهم الشخصية أو خدمة الأهداف الإيديولوجية أو السياسية التي تشكل دوافعهم الرئيسية "المحرّكة".

يؤكد باسكال بونيفاس أن "عدم النزاهة الفكرية لها نجومها في فرنسا اليوم، وهم يحظون بـ"التكريس" الإعلامي ويشتركون بتغذية قدر كبير من الخوف "اللاعقلاني" من خطر إسلامي مزعوم عبر صياغة نوع من ميل "إسلامي متزمت" نصّبوه بمثابة "عدو مشترك" للعالم الغربي الحرّ. ويتغاضون عن صعود موجة العنصرية ضد المسلمين وضد العرب في فرنسا.

إن الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب "يقرع ناقوس الخطر بنهاية تلك الأفكار الكبرى التي كان قد أصدرها مثقفو فرنسا الكبار من أجل الانتصار لما اعتبروه الحقيقة من أمثال فولتير وهوغو وزولا ومالرو. ويعود باسكال بونيفاس إلى ذلك "العصر الذهبي" لمثقفين التزموا بقضايا آمنوا بها وعرّضوا أنفسهم للخطر: "لقد كانت مكانتهم على مستوى إخلاصهم وعلى مستوى المخاطر التي عرّضوا أنفسهم لها والمعارك التي خاضوها ضد السلطات القائمة".

 

 

 

 

الكتاب: المثقفون المزيفون

تأليف: باسكال بونيفاس

الناشر: ج. سي. غاويزويتش باريس 2011

الصفحات: 272 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Les intellectuels faussaires

Pascal Boniface

J.C. Gawsewitch - Paris 2011

272 p.