مثّلت سنوات الستينات المنصرمة عقدا من أكثر عقود القرن العشرين اضطرابا، باستثناء فترتي الحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي سنوات الستينات شهدت فرنسا ما سُمي بـ"ثورة الطلبة". وفي سنوات الستينات أيضا انتفض الشباب في الولايات المتحدة ورفعوا شعارات تصب كلها في مقولة أن المجتمع الأميركي بحاجة إلى إعادة نظر كاملة ".

ذلك العقد وتلك الحركة الشبابية هي موضوع كتاب المؤرخ والأستاذ الجامعي "جون مكميليان" تحت عنوان "من نتاج الآلات الكاتبة" ،وعنوان فرعي عن "الصحافة السريّة الأميركية في سنوات الستينات". ما الذي دفع ملايين الشباب الذين انضووا تحت لافتة "اليسار الجديد" للانتفاضة في سنوات الستينات المنصرمة بالولايات المتحدة الأميركية؟

هذا هو السؤال الذي يطرحه جون مكميليان بداية محاولا أن يشرح الأسباب التي دفعت أولئك الشباب الذين كان الكثير منهم ينتمون إلى "الشرائح الميسورة" ومن الذين نالوا مستويات عالية من التعليم، كما يؤكّد القول، كي "يقرروا" فجأة أنه ينبغي عليهم القيام بقطيعة مع مجتمعهم.

ويشير المؤلف أنه على غرار صحف "لوس انجلوس" المجانية و"بيركلي بارب" و"الصحافة الحرة فري برس" وغيرها أطلق الشباب في جميع أنحاء الولايات المتحدة صحفا سرية ومجلات صغيرة الحجم ومنشورات وكتيبات لاقت كلها انتشارا واسعا. وقد ساعد على ذلك بالتأكيد وصول التكنولوجيات الجديدة في مجال النشر والكلفة القليلة للطباعة. في محصلة ذلك كله جرى تعميم توسيع عدد كبير من الجرائد "السريّة" وبملايين النسخ في عموم التراب الأميركي.

ويشرح جون مكميليان أن تلك المطبوعات كلها لم تكن "غير مشروعة" تقنيا ولكنها كانت "على الأغلب" ذات طابع تحريضي حقيقة وتدعو للخروج على التقاليد والقيم الاجتماعية السائدة. هكذا تعرّض أولئك الذين أنتجوها أو قاموا بتوزيعها وبيعها "في زوايا الشوارع" و"أثناء حفلات افتتاح مختلف المعارض الفنية" و"في المقاهي" .

وتعرّضوا للملاحقة من قبل السلطات المحلية في الولايات أو من قبل السلطات الاتحادية الفدرالية- عموما. ولم يكن مكتب التحقيقات الفدرالي "اف.بي.آي" بعيدا عن قمع حركة الاحتجاج التي قام بها الطلبة في جامعة كولومبيا عام 1968.

إن العديد من الكتاب والمبدعين الأميركيين ساهموا في الكتابة بتلك المطبوعات المتنوعة وقدّموا توصيفاتهم "الحيّة" للأحداث التي كانوا شهودا عليها. بهذا المعنى عكست الصحف "السرية" سمة العصر حقيقة وعبّرت عن هموم الشباب خلال سنوات الستينات. ومن خلال الحديث "مباشرة" مع القرّاء عبّرت عن حقيقة نزعة الاحتجاج ومداها على المستويين الثقافي والسياسي. وكانت تلك الصحف تعكس ما يسميه المؤلف بـ"الثقافة المضادة".

ويولي المؤلف أهمية خاصة في تحليلاته لنوعية المواضيع التي تطرّقت لها الصحف "السريّة" خلال سنوات الستينات. ويؤكد أنها لعبت دورا هاما في صياغة أفكار أولئك الذين انضووا ضمن إطار حركات "اليسار الجديد" الأميركي. ولم تكن الأطروحات بعيدة عن التعرّض لمسألة حقوق الأقليات، وخاصة الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، السود، وبالتحديد الحقوق المدنية. إن المحرّك الأساسي لمجمل ذلك الصنف في الإعلام فيحدده المؤلف بالدعوة إلى ما أسماه "ثقافة الحركة" في مواجهة الجمود الاجتماعي، وفي مناهضة "الرأسمالية" على الصعيد الاقتصادي.

ولم تكن مناهضة الحرب في فيتنام ومناصرة "الحقوق المدنية" بعيدة عن أطروحات تلك الصحافة. وصل الحد أحيانا إلى المطالبة بـ"حرية العلاقات" بل وحتى المطالبة بعدم "تجريم" أولئك الذين كانوا يتعاطون المخدرات.

ما يؤكده المؤلف هو أن تلك الصحافة السرية وجدت أرضا خصبة في حرم الجامعات الأميركية حيث كان يتولّى إداراتها في أغلب الأحيان طلبة يساريون، وخاصة من "الماويين"، أي أنصار أفكار قائد الصين آنذاك وملهم "الثورة الثقافية" ماوتسي تونغ. ويشار أن عدد الصحف المعنية بلغ المئات في الولايات المتحدة وأنها توصلت بالفعل إلى "هز المؤسسات" القائمة.

واستطاعت أن تتجاوز كل حواجز الرقابة و"تقفز" فوق "الحكمة التقليدية" التي كانت تتسم بها الصحف الكبرى. يتم التعرّض في الصفحات الأخيرة من الكتاب لبروز نوع من آليات المقاومة بقصد مواجهة "مدّ الصحافة السرية". وتمثل ذلك خاصة بظهور ما يسميه المؤلف بـ"الصحافة البديلة" في أواسط سنوات السبعينات. بدت تلك الصحافة البديلة أنها نتاج عملية "تطوّر" انطلاقا من الصحافة السرية لسنوات الستينات.

لكن مع خلاف كبير أن "البدائل" أولت اهتمامها لمسائل السوق والتسويق وابتعدت عن السياسة للاهتمام بقضايا المجتمع والناس، وكانت صحافة "بورجوازية" بامتياز "ومهنية بامتياز" بينما كانت "الصحافة السرية" ترتبط بشكل "عضوي" مع "حساسية" اليسار الأميركي الجديد هذا مع "الإفراط" بالتأكيد على مناهضة كل ما هو تقليدي.

إن المؤلف ومن خلال دراسة "الصحافة السريّة" لسنوات الستينات يشرح السياق الاجتماعي والسياسي الذي جعلها "تتزامن" مع بعض الحركات السياسية والاجتماعية الأكثر شهرة في نفس الفترة أي اليسار الجديد وتعاظم الحركات النسائية وحركة القوّة السوداء "بلاك باور".

ودراسة عن دور الشباب كمحرّك في الحركات الاجتماعية والسياسية الأميركية خلال سنوات الستينات المنصرمة.

 

 

الكتاب: من نتاج الآلات الكاتبة، الصحافة السريّة الأميركية - سنوات الستينات

تأليف: جون مكميليان

الناشر: جامعة اكسفورد - 2011

الصفحات: 304 صفحات

القطع: المتوسطة

 

Smoking typewriters

John McMillian

Oxford University Press- 2011

P.