يعيش العالم اليوم ما يطلق عليه البعض تسمية "عصر الكوارث". حروب ومجابهات وتسونامي وخطر الفوضى المهدد في العديد من مناطق العالم. مثل هذه الحالة يصفها المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "حول الاستخدام الجيّد للكوارث".

يبدأ دوبريه بطرح عدد من الأسئلة من نوع: كيف يمكن العيش والتفكير في مجتمعاتنا المحفوفة بالمخاطر؟ وكيف يستطيع البشر تجاوز مصادر حزنهم وقلقهم وهم وسط الأنقاض وفي أحضان اليأس؟

مثل هذه الأسئلة ليست وليدة اليوم، ولكنها قديمة قدم المجتمعات الإنسانية، كما يشير المؤلف. لكنها تُطرح اليوم بقوة على "جدول أعمال" حياة الجميع، ذلك أنه "زمن الكوارث" بامتياز.

وإذا كان الخطر يشكل خبز الحياة اليومية للإنسان في العصر الحديث، أكثر مما هو في أي عصر آخر، فإن ريجيس دوبريه يؤكّد على أن الإجابات لكيفية الخروج والمواجهة تختلف تبعا للشعوب والحضارات والمعتقدات. اليابان لها "مخرجها" الخاص بها، ويرى دوبريه، أنه مخرج "مثالي" من عدة جوانب. ذلك أن هناك إقرار كامل بعدم أبدية العالم وما يبرز اليوم من أخطار ليس سوى بعض أعراض نهاية ستأتي ذات يوم. ويحدد المؤلف القول أن مفهوم "العابر"، وليس مفهوم "المستمر" هو السائد في فهم اليابانيين للكوارث.

أما الغرب فله سبيله الخاص به لـ"النجاة"، ويحدده المؤلف بالتقاليد اليهودية- المسيحية. هذا على أساس أن الغرب يعتبر أن حضارته تعود إلى هذين الجذرين، بالإضافة إلى الجذر اليوناني. ويعتبر دوبريه أن هذا المخرج هو "أقل مثالية" من المخرج الياباني. بكل الحالات نظر الغرب إلى الكوارث على أنها قد تمثل "وعدا بالإنقاذ". وهو يجد مثل هذا التبرير في مرجعياته العقائدية.

ويؤكد دوبريه في هذا السياق على أهمية أن يهتم جيل الشباب في الغرب بالدراسات المستقبلية. هذا إذا كانوا يريدون بالفعل خوض حرب الأفكار. ذلك ربما في أفق تقديم قراءات أخرى من تلك التي يرددونها علينا باستمرار والقائلة أن الكوارث هي مستقبل العالم وعبرها ستكون نهايته. مثل هؤلاء الذين "وجدوا معينهم وكدّسوا ثرواتهم" عبر ما أثاروه في أعماقنا من خوف وقلق.

ويسأل المؤلف : لماذا نولي هذا القدر من الاهتمام للاستماع إلى هؤلاء "الخبراء" الذين لا يرسمون أمامنا سوى "آفاقا سوداء". ويبدي بعد ذلك استغرابه من الكمّ الهائل من "المنابر" التي يجدونها تحت تصرّفهم. لقد جعلوا "الإنذار بالخطر" ملح حياتنا اليومية وحيث غدا "المزاج الأسود" بمثابة شرط لا بد منه من أجل امتلاك "البصيرة الثاقبة". هكذا أصبح "حب الكوارث" مهنة أصحاب "العقول الراجحة".

ثم إن اليونان القديمة عرفت أوج ازدهارها الفكري والفلسفي في فترات اضطرابها وتمزقها. ويقارن دوبريه تلك الفترة بالحقبة الحالية حيث "ينهار إطار حياتنا وفكرنا ويغدو الأفق مسدودا ويسود الإحساس أن شيئا ما يسقط وحتى لو لم نكن تعرف جيدا ما هو-".

إن ريجيس دوبريه يدين بقوة ما يسميه "الفكر الجاهز المنبئ بالكوارث". هذا الفكر الذي "يتغذّى" من أفكاره نفسها التي تجد ما يسندها في واقع الكوارث التي تتلى خلال الفترة الأخيرة. ويحدد أهم هذه الكوارث بـ"الغيوم المشعّة بسبب تفجر مفاعل تشيرنوبيل أو فوكوشيما وغيرهما- والزلازل وثقب الأوزون في الفضاء الجوي وتسونامي والزوابع وموجات الحرّ القائظ والفيضانات التي نسمع أخبارها هنا وهناك ومجازر الإبادة الجماعية وعمليات الإفلاس التي عرفتها شركات ومجموعات عالمية كبرى، وانهيار البورصات وانهيار برجي التجارة العالمية في مانهاتن بنيويورك وتفشي الأوبئة وعمليات التلاعب بالمورثات الجينات- وتلوث مياه البحار والمحيطات".

إنها سلسلة طويلة من الكوارث التي واجهتها البشرية في الآونة الأخيرة. ويطرح دوبريه حيالها مقولة مفادها أن "التفوق التقني" الذي تجسده التكنولوجيات المتقدمة رأى في كُثر تحديا أمام العالم الروحاني.

ويتصوّر ريجيس دوبريه حدوث كارثة مشابهة لفوكوشيما اليابانية في بلد مثل فرنسا أو غيرها من البلدان الأوروبية. ويرى أنه سترتفع عندها الكثير من الأصوات التي تقدّم تفسيرات لا علاقة لها بالواقع وبالعلم ولكن بالأحرى بالبلاغة.

إن ريجيس دوبريه، وانطلاقا من اليابان، وتحديدا من كارثة التسونامي ثم كارثة المفاعلات النووية في "فوكوشيما"، يحاول أن يبيّن "ردود الفعل الخاصة بكل حضارة من الحضارات" بمواجهة الكوارث التي تشكل سمة عصرنا.

 

 

الكتاب: حول الاستخدام الجيد للكوارث

تأليف: ريجيس دوبريه

الناشر: غاليمار- باريس- 2011

الصفحات: 110 صفحة

القطع: الصغيرة

 

DL bon usage des catastrophes

Regis Debray

Gallimard ذ

Paris- 2011

P.