كان الصحفي الفرنسي اوليفييه تود شاهدا من بين حفنة صغيرة من الصحفيين الغربيين النادرين الذين عاشوا اللحظات الأخيرة من نهاية الحرب الفيتنامية وسقوط سايغون ؛ بتاريخ 30 ابريل من عام 1975 وهو يقدم اليوم شهادته في كتاب تحت عنوان (سقوط سايغون) .
ويسأل المؤلف بداية: لماذا الاهتمام من جديد بسقوط سايغون بعد مرور السنوات الطويلة؟ ويجيب: لسبب بسيط هو أن سقوط سايغون لا يزال حدثا راهنا جدا في السياق الدولي الحالي. ذلك أنه يسمح بفهم أفضل للحملة-الكارثة التي قام بها جورج دبليو بوش على العراق وكذلك فهم الحرب التي لا تنتهي في أفغانستان.
ثم نقرأ: "منذ 36 سنة، وبتاريخ 30 ابريل-نيسان 1975، في الصباح بعد ليلة مقمرة بدون ضباب ولا غيوم، حاصرت 15 فرقة من قوات فيتنام الشمالية المدينة التي كانت حتى آنذاك عاصمة فيتنام الجنوبية. وبدون معارك تقريبا تقدم الثوار الشماليون وراء دبابات ت-54 وت-56 سوفييتية الصنع، وسيطروا على مدينة تعتريها الدهشة".
إن المؤلف يشرح على مدى الفصول العشر التي يتألف منها الكتاب، أهم الأحداث التي عرفتها الحرب الفيتنامية وقصة الـ"1789 كيلومترا من هانوي، عاصمة الشمال، إلى سايغون، عاصمة الجنوب". وما يؤكده أن أهل سايغون وقادتها لم يفهموا جيدا كيفية سقوط مدينتهم.
وكيف انتصر الثوار الشماليون، "الفييتكونغ"، كما شاعت تسميتهم، المدعومون من قبل الاتحاد السوفييتي "السابق" والصين على الجنوب المدعون منذ فترة طويلة من الولايات المتحدة الأميركية. بكل الحالات استعادت فيتنام توحيدها "بالقوة" بعد انقسامها إلى دولتين متناحرتين، شمالية وجنوبية، لمدة تقارب نصف قرن من الزمن.
كان الأميركيون قد دخلوا حرب فيتنام منذ عام 1965. لكنهم عرفوا الهزيمة في نهايتها وانتصرت قوات الكتلة الشيوعية. "ربما كان ذلك هو الانتصار الكبير الأخير الذي حققته الكتلة الشيوعية"، كما يقول مؤلف هذا الكتاب. والإشارة أن الولايات المتحدة تشكّل ديمقراطية بالتعريف. بالتالي تعود سلطة اتخاذ القرارات إلى عدة قوى فاعلة بالوقت نفسه ابتداء من الرئيس وحتى الصحافة ومرورا بوزارة الخارجية ووزارة الدفاع والكونغرس الأميركي.
وعبر قراءة الحرب الفيتنامية ونتائجها يصل اوليفييه تود إلى القول أن "رجال السياسة" لعبوا دورا يوازي دور "العسكر" في اتخاذ قرارات إنهاء الحرب. ويشير المؤلف أن "الآلة السياسية" التي كانت تدير دفّة السياسة في واشنطن عام 1975 كانت تعاني من التردد والشكوك بالنفس. ويبدو الأمر وكأنه يتكرر اليوم فيما يتعلق باتخاذ قرارات الانسحاب من العراق أو أفغانستان.
ويكرّس المؤلف العديد من صفحات الكتاب لتوصيف الدبابات وجنود المشاة الفيتناميين الشماليين وهم يدخلون إلى سايغون بينما كانت عدسات التلفزيون ترصد المدنيين والعسكريين الأميركيين وهم يهربون بطائرات "الهيلوكبتر". ما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن هناك سؤالا لا يزال دون أسئلة كافية شافية وهو: كيف حصل ووجدت القوة الكبرى الأميركية نفسها مهزومة من قبل قوة شيوعية صغيرة آسيوية؟
كان الفيتناميون الشماليون مسلّحين بعتاد روسي وصيني، ورشاشات كلاشنكوف وصواريخ سام ودبابات ت-54 وت-56حيث صاعد الأميركيون في مواجهتهم الرد منذ عام 1965 خاصة. لكنهم لم يقصفوا هانوي، عاصمة الشمال، ولا غيرها. كان الأميركيون يخشون أن يؤدي تصعيد الحرب إلى تدخل قوات صينية وأميركية مباشرة. الأمر الذي كان يسمح باستشفاف إمكانية وقوع حرب عالمية ثالثة.
وفي معرض شرح التحضير للهجوم النهائي على سايغون، يركّز المؤلف على القول أن قادة فيتنام الشمالية قاموا بحملة إعلامية ناجحة وفعّالة تحت عنوان عريض: "على الولايات المتحدة أن تخرج من أرضنا وتعود إلى بلادها". وأفهموا الجميع بالوقت نفسه أنه لا يمكن الحصول على سلام شامل من خلال القيام بحرب محدودة. وكان قادة فيتنام الشمالية يدركون جيّدا أيضا أن أي بلد ديمقراطي يتجنّب دائما استخدام القوة. وإذا بالغ في استخدامها قد يواجه الرأي العام لديه.
ويذهب اوليفييه تود إلى حد القول أن انتصارا لجنوب فيتنام ربما كان منه أن يؤدي لاحقا إلى تجنّب قتل ملايين الكمبوديين من قبل "الخمير الحمر" المدعومين من بكين. وضمن هذا السياق يُبدي المؤلف أسفه كون أن الأميركيين لم يذهبوا في استخدام قوتهم حتى النهاية، وأن طائرات ب-52 الأميركية القاذفة لم تقصف أبدا هانوي.
لقد أصبح تاريخ 30 أبريل-نيسان يوم عطلة وطنية في فيتنام الموحّدة من جديد وتسمية "يوم التحرير" أو "يوم إعادة التوحيد". اللاجئون الفيتناميون في مختلف أنحاء العالم يتحدثون بالمقابل عن "أبريل الأسود". بكل الأحوال لم تسقط سايغون فقط ولكن جرى تعميدها باسم مدينة "هوشي منه" منذ عام 1999. لكن العملة الأجنبية الأكثر تداولا فيها اليوم هي "الدولار".
الكتاب: سقوط سايغون
تأليف: اوليفييه تود
الناشر: بيران- باريس- 2011
الصفحات: 745 صفحة
القطع: المتوسط
La chute de Saigon
Olivier Todd
Perrin- Paris- 2011
P.
