الموسيقى لغة عالمية بامتياز. هكذا يصفونها عادة، ولكنها أيضا وخاصة لغة لـ"التضامن". هذا ما تشرحه لورنس فيليسيتي، أحد مديري المركز الدولي للدراسات الموسيقية التابع لجامعة نيوكاستل البريطانية واوليفييه اوربان، وأستاذ اللغات الحديثة والسلام، في جامعة "سوكا" اليابانية، في كتابهما الذي يحمل عنوان: "الموسيقى والتضامن". ويبحث هذا الكتاب تحديدا في مسائل "الانتماء الكوني والضمير والترابط الإنساني"، كما يشير عنوانه الفرعي.
يؤكد المؤلف أن استخدام الموسيقى من أجل التعبير عن "النوايا الحسنة بحثا عن التقارب مع الآخرين" لا يمثل عامة إحدى الوظائف الأكثر وضوحا للموسيقى. هذا ومن المعروف أن الموسيقى العسكرية شكّلت على مدى مسيرة التاريخ الإنساني أحد الحوافز التي رافقت الجنود وساهمت بالتالي في "تحطيم" أواصر التواصل بين ثقافات المتحاربين.
لا يولي الكتاب أهمية كبرى لدراسة الموسيقى من حيث مظاهر تأثير الموسيقى على البشر أو أشكال "استغلالها" في مشاريع تصبّ في مصالح "صغيرة" معينة. لكن اهتمامه الرئيسي يذهب بالأحرى نحو دراسة علاقة "الموسيقى والتضامن". وبالتحديد أكثر دراسة "الدور الكامن الذي يمكن للموسيقى أن تلعبه في مجال المساهمة بدفع قضايا السلام في العالم إلى الأمام".
أحد الأمثلة الكثيرة التي تتكرر في الكتاب عن الدور (التضامني) للموسيقى ودعوتها للسلام بين الأمم يتمثل في الفرقة الموسيقية التي أسسها ادوار سعيد، المفكر الفلسطيني، والموسيقار اليهودي دانييل بارنباوم والتي أراد لها مؤسساها أن تكون "تحديا" أمام التعنّت الإسرائيلي والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على قاعدة سلام عادل وشامل.
وبهذا المعنى يمكن للموسيقى أن تكتسي "صفة ثورية"، كما نقرأ. ثم إن "موسيقى الجاز" نفسها كانت "منذ ولادتها" بمثابة موسيقى داعية لـ"التضامن مع حقوق الأفارقة ذوي الأصول الإفريقية، أي الأميركيين السود.
وما يتم تأكيده بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب هو أنه يمكن للموسيقى أن تسهّل قيام "علاقات ودّ وتعاطف بين بشر من أوساط ثقافية مختلفة. ذلك أنه إذا كانت المجموعات الاجتماعية المختلفة تمتلك قيما مختلفة أو مفاهيم مختلفة للعلاقات المثالية بين البشر، فإنه يمكن للموسيقى أن تشكّل "لغة مشتركة" تقارب بينهم وتدفعهم باتجاه "التضامن". والتأكيد أيضا أنه يمكن للموسيقى أن تلعب دورا "تضامنيا" خاصا في إطار المنظومات التربوية وبالنتيجة من المهم تعلّمها في جميع السياقات وعلى جميع المستويات.
ومظهر آخر لـ"التضامن" الإنساني عبر الموسيقى يتم إبرازه. ويتمثل في التظاهرات الكثيرة، والكبيرة أحيانا، للتضامن مع "المنكوبين". مثل هذا التضامن عرفه العالم مؤخرا عبر الأعمال الموسيقية الجماعية للتضامن مع الشعب الهاييتي بعد الزلزال الذي ضرب البلاد وأدى إلى قتل عشرات الآلاف وإلى تخريب البلاد. وظاهرة تضامنية شهيرة أخرى من أجل مساعدة المصابين بمرض "الايدز" وتنشيط الأبحاث في منظور علاجه.
إن الموسيقى يمكنها أن تكون عملا تضامنيا بامتياز. هذه هي إحدى الرسائل الأساسية التي يراد توجيهها عبر هذا الكتاب. هذا مع الابتعاد الكامل عن أية دارسة تقنية أو أي تقييم فني. فالمهم هنا هو البعد الإنساني وبحيث تساهم الموسيقى في "كسر الحواجز" التي تقيمها المصالح والمشاريع السياسية بين البشر وتعطي بالمقابل بعض "الأمل بالنسبة للمستقبل".
الكتاب: الموسيقى والتضامن
تأليف: فيليسيتي لورنس، اوليفييه اوربان
الناشر: ترانسكشن بوبليشينغ- نيوجرسي 2011
الصفحات: 224 صفحة
القطع : المتوسط
