شكّلت موسيقى الروك اندرول أحد الظواهر الفنية الكبرى في العالم، خلال سنوات الستينات المنصرمة، وإذا كان مهدها الأصلي هو بريطانيا، مع فرقة البيتلز الشهيرة، والولايات المتحدة الأميركية، فإنها عرفت انتشارا كبيرا إلى مختلف أنحاء العالم وصولا إلى الاتحاد السوفييتي "السابق" المغلق حيال العالم الخارجي في عهد ليونيد بريجنيف.
والباحث الأوكراني الأصل سيرجي ي. زوك يقدّم كتابا عن ظاهرة اجتياح موسيقى الروك للعالم السوفييتي السابق وحتى إلى مدينته الصغيرة "دينبرو بتروفسك" في اوكرانيا، والكتاب تحت عنوان: "الروك اندرول في مدينة صانعة للصواريخ". والمدينة المعنية يعرّفها المؤلف أنها كانت مغلقة تماما على العالم الخارجي حتى وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي وبداية ما سمي بعصر الإصلاح والشفافية في أواسط عقد الثمانينات الماضي.
وكانت أيضا هي أحد "معاقل" صناعة السلاح السوفييتي.في إطار ذلك الانغلاق حيال العالم "تسللت" موسيقى الروك الغربية بامتياز، إلى المدينة من خلال الإذاعات الأجنبية أولا. وذلك منذ سنوات الستينات التي تميّزت بنوع من "القطيعة" مع الإرث الستاليني بعد المؤتمر الخامس والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ووصول نيكيتا خروشوف إلى السلطة بموسكو.
وبهذا المعنى يشكل الكتاب تأريخا للاتحاد السوفييتي نفسه عبر التأريخ لظاهرة دخول موسيقى الروك إلى البلاد. وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن الأمر الذي قد يثير دهشة الكثيرين يتمثل في واقع معرفة جيل الشباب في "نبيروبتروفيسك" آنذاك لنجوم الموسيقى والغناء الغربيين عامة، والأميركيين خاصة.
ذلك أن أبناء تلك المدينة الصغيرة المهتمة بصناعة الصواريخ والدبابات والبعيدة عن المدن الكبرى مثل موسكو وسان بطرسبورغ لينينغراد آنذاك- كانوا معجبين جدا بمطربين مثل "ديب بوربل" و"ايان جيلان" وغيرهم من نجوم مجموعات الروك الأمريكية والبريطانية. كانت "الأسوار" الكبيرة التي بناها جوزيف ستالين خلال عدة عقود قد بدأت بالتفكك قبل أن تنهار بعد عدة عقود لاحقة.
إن المؤلف يفتح قوسين في هذا السياق كي يشرح الموقف السلبي الذي اتخذته أجهزة الشرطة السياسية والفكرية والسوفييتية حيال ظاهرة اهتمام الشباب "المراهقين" بـ"صرعات" الموسيقى الغربية. وينقل عن أحد عناصر جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق "كا.جي.بي" وصفه لموسيقى الروك أنها "قذارة إيديولوجية مناهضة للنظام السوفييتي". كما أنه لا يتردد في القول أنه كان لدى "البيرقراطية" السوفييتية الأسباب التي تدعوها للتحرك ضد "الموجة المهددة" الوافدة. ووصل الأمر ببعض منظري النظام السوفييتي بوصف "الروك" أنها تمثل "فاشية" الموسيقى.
ويتمثل أحد الخطوط الناظمة في تحليلات هذا الكتاب بمحاولة "تقييم" مدى تغلغل "الثقافة الغربية" بين أوساط الشباب السوفييت في تلك الحقبة من الزمن. ويعتبر المؤلف نفسه أنه أحد شباب "جيل البيتلز" الذين كانوا يعرفون "أدق التفاصيل" عن "مشهد الروك اندرول" في الغرب وعن الأفلام الغربية عامة.
ويحدد القول أنه إذا لم يكن ذلك "الاهتمام"، بل "الانبهار" بالموسيقى الغربية مؤشرا على تمرد ضد الواقع السياسي السوفييتي، فإنه كان يمثل نوعا من محاولة خلق "مجال متحرر" من أية سلطة خارجية.ويشير المؤلف أنه بدأ بحثه عن مظاهر تواجد الثقافة الغربية في الحقبة السوفييتية، ابتداء من سنوات التسعينات المنصرمة.
ووجد مادة مهمة عن ذلك في أرشيف وكالة الاستخبارات الروسية "كا.جي.بي" ولا يتردد في القول أن الدولة السوفييتية قد خاضت معركة "خاسرة مسبقا" ضد أشكال النفوذ الغربي الثقافي والذي كانت موسيقى الروك و"فرقة البيتلز" و"الرولنغ ستون" من مظاهره البارزة. تتم الإشارة في هذا السياق أن "اليوميات الشخصية" التي كتبها شباب من مدينة "دنيبروبتروفسك" الاوكرانية الصغيرة كانت ذات دلالة عميقة حول "تعلقهم" بموسيقى الروك ورغبتهم في الانفتاح على العالم.
ويحدد المؤلف القول إن أحد وجوه ذلك "التعلّق" بموسيقى الروك كان نوعا من البحث عن ولوج دروب الحداثة وتحقيق مستلزمات "الأنا" الشخصية. بهذا المعنى كانت الموسيقى "لغة" في مواجهة جميع "المحظورات" المفروضة باسم الإيديولوجية الشيوعية السائدة التي رأت في "الروك" بادرة اجتياح لـ"ثقافة الشباب" في عهد ليونيد بريجنيف "المتشدد إيديولوجيا". نقرأ: "أعتقد أن موسيقى الروك لم تؤد بذاتها إلى تدمير الاشتراكية. لكن القيم والممارسات الثقافية المرتبطة بالتعرّف عليها ساهمت في نهاية الاشتراكية".
كما يمثل الكتاب أيضا في أحد وجوهه دراسة متميّزة، وفريدة ورائدة عن الحياة اليومية للشباب الروسي في مدينة صغيرة أثناء الحقبة التي سبقت سياسات الإصلاح والانفتاح التي تبنّاها ميخائيل غورباتشوف منذ وصوله إلى السلطة عام 1985.والكتاب في مجمله نوع من السيرة الذاتية "الفنيّة" لمؤلفه الذي يتذكّر المرة الأولى التي استمع فيها إلى موسيقى الروك اندرول، حيث يقول: "كان عمري 6 سنوات عندما استمعت من مذياع أخي إلى موسيقى لفرقة البيتلز". ويؤكد أن الجميع كانوا مأخوذين بتلك الموسيقى، لكونها غير مألوفة بالنسبة لآذاننا. هذا فضلا عن أنها صادقة وفيها قدر كبير من الحيوية".
الكتاب: الروك اندرول في مدينة مغلقة
تأليف: سيرجي ي. زوك
الناشر: جامعة جون هوبكنز 2010
الصفحات: 440 صفحة
القطع: المتوسط
Rock and Roll in the rocket city
Serge I. Zhuk
The John Hopkins University Press- 2010
440 p.
